الأربعاء، 12 ديسمبر، 2007

مقدمة


نشرت جميع أعمال محمود البدوى فى العنوان
 
=====

مقدمة
عزيزى القارىء
تناولت فى هذا الكتاب أكبر الشرور التى تواجه الإنسـان على الأرض ، ساعدنى فى ذلك كثرة أعمال محمود البدوى القصصية ، وإشـارته عنها فى الكثـير منـها ، فاستوعبـتها وهضمتها ، وأخرجتها على الورق ، وهدفت من وراء ذلك ألا أصيب القارىء بالملل ، عندما يجلس ويستعد للقراءة ، متبعا فى ذلك ما قاله البدوى ، من أن الاعمال الجيدة تجذبك من سطورها الثلاثة الأولى .
وهى ليست معلومات صماء ، بل هى معلومات حية ، وكأنها متحركة تنبض بالحياة وتتحرك أمام عينى "من وجهة نظرى" حاولت فيها تصوير المواقف والأحداث ، بحيث يستطيع القارىء أن يلم بأحوال مصر والمصريين منذ سنة 1919 وحتى سنة 1973. ولم أضف اليها أية معلومة من خارج نطاق قصص البدوى ، ولم أستعن بأى مرجع ـ كما ترى بعد حديثى معك ـ فبعد كل عنوان إشارة إلى أسماء القصص التى رجعت اليها". وقد استخدمت أسلوب البـدوى الذى عبر به عن مشـاعره وأحاسيسه ، ولم يكن ذلك عن قصد ، ولكنه خرج من داخلى لكثرة قراءتى لأعمال هذا الفنـان الكبير ، وتأثيره فى نفسى ، وأكاد أن أكون قد حفظت أعماله كلها عن ظهر قلب ، أضف إلى ذلك ، أننى وجدت نفسى دون أن أشـعر ، أتغلـغل فى أعماقه ، واستطعت بإمكاناتى ، أن أرى الهدف والمقصود من وراء كل كلمة ، وكل جملة ، وما وراء السطور .
فلقد استخدمت أسلوبه السهل البسـيط ولغته العربية الجميلة ، فكتبت كما كان يكتب البدوى ، حتى تشـاركنى فى رؤية الحدث ، وكأنك عاصرته وعايشته واشتركت فيه .
واخترت فترات هامة فى تاريخ مصر ، لأبين يقظة الشـعب المصرى ، وأنه قوة هائلة لها تأثيرها ويصعب تدميرها ، بعدما حاق به من ظلم عبر قرون وقرون .
كان البدوى لايحب السياسة ويكرهها ، كما كرهها الإمام محمد عبده ، ولكنه كان ملما بالشئون السياسية ، ولم ينتم إلى حزب من الأحزاب ، ولم يدين بالولاء لمبادئ أى منها ، بل كان مصريا خالص المصرية ، ويتبين ذلك فى قصصه ، فهو لم يشر إلى شخصية وفدية أو سعدية أو خلافهما ، لأن البطل عنده ، هو مصرى خالص المصرية .
ولقد كان بعيد النظر فى تقديره للأمور ، وما عليه حال الأمة العربية ، انظر إلى ما قاله لصاحبتـه فى أول عمل أدبى له،"رواية الرحيل المنشوره فى عام1935" وكان عمره فى ذلك الوقت لا يتجاوز السادسة والعشرين .. قال :
"أفكر فى الشرق الحالم الراقد المستسلم لجبروت الغرب وظلمه وعدوانه ، يرى بعينيه الليث الكاسر يتوثب ليبتلعه ، وهو مع هذا راقد حالم خاضع ذليل ، كأنه لايبصر ولا يـرى ولا يدرك ولا يحس".على عبد اللطيفالنزهة الجديدة
1/5/2004
========================

محمود البدوى فى سطور

محمود البدوى فى سطور:

*ولد محمود البدوى فى قرية الأكراد مركز أبنوب بمديرية أسيوط فى 4ديسمبرعام 1908
*كان والده عمدة القرية ، ووالدته ابنة عبد المنعم التونى عمدة قرية أتليدم مركز ملوى بمحافظة المنيا "وكانت القرية تقع فى آخر حدود مديرية أسيوط".

*توفيت والدته وهو فى السابعة من العمر ، وكانت فى الثلاثين من عمرها .
قضى طفولته كلها فى الريف حتى حصل على شهادة الابتدائية من مدرسة أسيوط الابتدائية .
*التحق بالمدرسة السعيدية الثانوية بالجيزة وكان حريصا على قضاء كل إجازاته مع الفلاحين .
*التحق بكلية الآداب بالجامعة المصرية إبان عمادة الدكتور طه حسين لها ، وترك الدراسة وهو فى السنة الثالثة قسـم اللغة الإنجليزية وآثر أن يثقف نفسه تثقيفا ذاتيا ، فقرأ الأدب القديم والحديث ، والآداب الأجنبية بلغتها الأصلية .
*دخل الحياة الأدبية لأول مرة من خلال نقل الآداب الأجنبية إلى اللغة العربية ، ونشرها فى مجلة الرسالة التى كان يصـدرها الأستاذ أحمد حسن الزيات منذ السنة الأولى لصـدورها عام 1933.
*سافر إلى اوربا الشرقية قبل الحرب العالمية الثانية عام 1934 وعاد من هذه الرحلة متفتح المشاعر للكتابة وكتب رواية قصيرة باسم "الرحيل".
*ساهم اسهاما حقيقيا فى التعبير عن آمال الشعب فى تغيير واقعه منذ صدور قصته الرحيل عام 1935.
*تناول حياة الريف والفلاحين وصور طبـاع أهل الصعيــد وأخلاقهم فى محاولة منه للنفوذ إلى أعمـاق الفلاح المصـرى وتبرير تخلفه وما يعانيه من قسوة الإقطاع . وبلغت قصصه التى كتبها عن الريف والفلاحين فى الصعيد تسعة وثمانون قصة .
*أدى دوره الوطنى بكتابة بعض القصص القصيرة فى المناسبات الوطنية والكفاح ضد الاستعمار الانجليزى وحروب 1948و1956و1967و1973.
*كتب ما يزيد على 389 ، قصة نشرت جميعها بالصحف والمجلات المصرية بالإضافة إلى المجلات المتخصصة كالرسالة والقصة والثقافة والأديب والهلال والمجلة والعصور والرواية ، ولا يدخل فى هذا الحصـر القصـص التى نشـرها بالصحف والدوريات العربية حيث لم يمكن حصرها "انظر الببليوجرافيا الملحقة بكتاب سيرة محمود البدوى .. بقلم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى مكتبة مصر 2000".
*صور بعض قصصه خلال رحلاته فى أوربا واليونان وتركيا ورومانيا والمجر والهند والصين وهونج كونج واليابان وسوريا وبانكوك وروسيا والجزائر والدنمرك ، وهى البلاد التى حركت مشاعره وأثر أهلها فى عقله ووجدانه .
*له كتاب واحـد فى أدب الرحـلات عن رحلته إلى الصـين واليابان وهونج كونج "مدينة الاحلام" .. (الدار القومية للطباعة والنشر 1963).
*كان كثير الأسفار فقد طاف بأوربا وآسيا وبعض البلاد العربية والأفريقية فى رحلات ثقافية وغير ثقافية وانعكس أثر هذه الأسفار عليه ككاتب يؤمن بالإنسان ويهتم به فى كل بقاع الأرض ، وصوره فى كتاباته .
*أطلق عليه بعض النقاد والدارسين لقب " تشيكوف العرب " ولقب "راهب القصة القصيرة" ولقب "فارس القصة القصيرة".
جوائز الدولة

*منح ميدالية الإنتاج الأدبى والفنى من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب لمساهمته بقلمه فى معركة بور سعيد عام 1956.
*منح جائزة الجدارة فى الفنون عام 1978.
*منح جائزة الدولة التقديرية فى الآداب عام 1986.
*منح اسمه بعد وفاته وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1988.
وفاته
*توفى فى 12 فبراير 1986.

مكتبته الخاصة
فى شـهر سبتمبر من عـام 1999 أهدت إبنتـه ليـلى ووالدتها مكتبته الخاصة للهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية ، وتضم مجموعات قيمة من الكتب الأدبيـة ودواوين الشـعر والروايات والقصص العربية والأجنبية ، وكذلك جميع الكتب المهداة بخط زملائه الأدباء ، لتكون تحت نظر الباحثين والدارسين فى فنون الأدب .

========================






الفصل الأول : ثورة الصعيد سنة 1919

ثورة الصعيد سنة 1919
ضد الاحتلال البريطانى
فى
قصص محمـــود البدوى



"كنـا نحارب كما يحارب الثـوار من غيـر نظـام ولا قيـادة .. ومـع هـذا فقـد فـكرنا فى أن نفعـل مـا يفعـله المحاربون فى الميدان حقا .. "

*****

كتب محمود البدوى احدى عشرة قصة ذكر فيها القليل من أحداث الثورة (عدا قصتين الحدث فيهما كثير) .

وقدم لنا فيها شخصية رجل الصعيد ، الشخصية القوية المتماسكة التى تأبى الذل والاضطهاد ولاتعرف مشاعر الخيبة ، وتغير من الواقع المحيط بها .

وقد جاءت تلك القصص تعبيرا عن تأثره بابطال المقاومة من شـباب الصعيـد ، والتى عبر عنها على لسـان إحدى شخصياته ، بقولها :

" أنت لا تستطـيع أن تغير الـدم .. الـدم الجـارى فى عروقـك ، أن تمحـو أثر البيـئة ، وأنت تتعـلم وتتهـذب وترقى ، ولكن دمـك سيظل عربيـا ، لأنك ولـدت فى النجـع ، ونشــأت فى النجـع ، وفى هذا الجـو الطليـق عشـت ، وتنفست أول نسـيم الحياة .. "

ومن خلال الأحداث التى حدثت أستطيع أن أحكى قصة الثورة

قصة ثورة 1919

قصة الثورة

اشتـعلت وانطلقت الثورة المصرية فى سنة 1919 فجأة دون إنذار ، فى كل مكان مرة واحدة ، فى طول البلاد وعرضها ، من الإسكندرية إلى أسوان وروع الناس من وقع المفاجأة ، وتعطلت المواصلات ، وتقطعت السكك الحديدية ، وتوقفت الأعمال فى كل مكان ، وشغل الناس بحـرب الإنجليـز قبـل كل شئ .

كان الإنجليـز يحتـلون المنطقة الواقعـة حـول خزان أسيوط ، ويعسكرون فى المنتـزه وفى المدرسـة الثـانوية .

ونشبت المعركة بين المصريين والإنجليـز ، وبدأت بإطلاق النيران على معسكراتهم الواقعة فى غرب الخزان ، وتحصن الإنجليـز فى المدرسة الثانوية ، ووضعوا خير قواتهم عند الخزان ، وتحصـنوا وراء الأحجـار المعـدة لتدعيم الخزان .

وكان الأهالى يرابطون فى قرية " الوليدية " المجاورة للمدرسة والقريبة من الخزان ، على مبعدة أمتـار منهم فقط ، وأخذوا يصلونهم بالنار ، ويطلقون بمقدار ، لانهم يعرفون أن المعركة ستطول ، وهم فى حاجة إلى الذخيرة والرجال المدربين على القتال ، وأرسلت اليها القرى المجاورة أحسن رجالها الشجعان ، وأتى اليها الرجال من كل صوب على ظهر المراكب الشراعية الصغيرة والكبـيرة .

وحـارب الرجال كما يحارب الثوار من غير نظام ولا قيادة ، فكانوا يحاربون بفراسة الرجال الشجعان ، وفعلوا كل ما يفعله القائد المدرب فى الحـرب ، وما يفعله المحـاربون فى الميدان ، فحاصروا المعسكر من الشمال والجنوب ، ورابطوا فى النهر ، وقطعوا عنهم المدد عن طريق السكة الحديد ومن كل طريق ، وفكروا فى قطع الخط الحديدى عند قرية "منقباد" .

وفى قرية صغيرة على الضفة الشرقية للنيل ، اجتمع أكثر من خمسمائة رجل من مختلف القرى ، مسلحين بالبنادق القديمة والحديثة والخناجر والعصى والحراب ومعهم خيولهم وجمالهم وحميرهم ، وأكثرهم من الرجال الشجعان الذين يقطنون فى الجبل الشرقى ، وكانوا يرتدون الجلابيب السمراء والزرقاء ، ويعصبون رؤوسهم ويتمنطقون بالأحزمـة الجلدية المليئة بالرصاص والخرطوش .

ونحرت الذبائح ، وقـدم الطعـام ، وتعشـوا على الطـبالى 00 خمسة .. خمسة ، وكانوا يتحدثون فى حماسة بالغة وهم يلتهمون الطعام ، وعيونهم تبرق ، ويمسحون أفواههم بأطراف أكمامهم .

وعندما وقف واحد من الطلاب يتحدث عن الاستعمار والبـلاء الأسود النازل بالبلاد ، كانوا ينصتون فى سكون وعيونهم تلمع ووجوههم منفعلة من فرط الغضب ، ثم أخذوا يعمرون البنادق ويشحذون الأسلحة .

وفى أخريات الليل والظلام شاملا ، والسكون رهيبا ، عبر الرجال النيل إلى الضفة الغربية ، وهناك انقسموا إلى فرق صغيرة ، اتجه بعضها إلى الخزان ، وذهبت فرقة مكونة من ثمانية عشر رجلا من الرجال الأشداء إلى " منقباد " لتقطع الشريط الحديدى ، وسارت حذاء النيل على الرمال الناعمة .

ويقول الراوى وهو يصـف تلك المهـمة فى قصـة " حدث ذات ليلة " :

" ثم انحرفنـا عن الطريق السوى ، وسرناوسط الحقول ، وكانت السماء كابية ، والريح تزار فى أخصاص " البوص " التى مررنا بها ، ولما صعدنا المنحدر ، واقتربنا من الخط الحديدى ، بدا صوت اقدامنا يسمع بوضوح فى هذا السكون العميق وتقدمنا فى قلب الليل ، ولما بلغنا الجسر كان الشريط يلمع ملتويا فى الظلام ، وكانت أعمدة البرق وأسلاك التليفون تهتز والريح تصفر فى جنبات الوادى المقفر ، وعندما أخذت أرجلنـا تضرب على الزلط الذى يتخلل القضبان ، شعرت بعظم المهمة الملقاة على عاتقى ، وانتابتنى الرهبة ، وأخذت المكان بنظرة خاطفة ، وأعطيت الإشارة للرجال ، وبدأت المعاول تعمل وبعد قليل فرغنا من مهمتنا وقفلنا راجعين ، وتفرقنا فى قلب الليل كالذئاب بعد أن تنفض مخالبها من الفريسة " .

ولما شعر الإنجليز بأن الثورة انتقلت من أسيوط إلى الشـرق وأن العرب تحركوا من هناك لقتالهم ، نصبوا المدافع الرشاشة على الخزان ، وفتحوا الطبلية ، حتى يقطعوا الصلة بين الشرق والغرب ويمنعوا المدد .

ولما رأى الثوار من عرب الشرق ، الذين يقاتلون منذ بدأت المعركة فى قرية " الوليدية " ( تقع فى الناحية الغربية من النيل ) المدافع الرشاشة منصوبة على الخزان ، والكمين الذى أعده الإنجليز ليحصدوا به كل من اقترب من الهويس ، إجتمع قواد المعركة ، وقرروا ان تهاجم فرقة من خيـار الرجـال المسـلحين بأحدث أنواع الأسلحة الموقع من كل الجهات ، ويتسلل قبل الهجوم خمسة من الفدائيين إلى الموقع من الخلف ويتسلقون السـور فى غلـس الليل ، وقبل الفجر يعطون إشارة الهجوم باطلاق أول طلقة .

وبدأ القتال واشتد ، ولكن لم يسكت مدفع واحد من المدافـع الثلاثة ، كانت محصنة تحصينا منيعا بالأحجار وأكياس الرمل ، وبعيدة عن مرمى المقاتلين من الثوار .

وسقط سبعة من الرجال المهاجمين ، وحوصـر الذين تسـللوا من الخلف ، وساءت الأحوال عندما علم المصريون أن رشوان ، قائد من قواد الثوار ، قتل فى المعركة ، وتوقف الهجوم فى الغروب .

وغير الثوار من طريقة الهجـوم ، فتسللت فرقة فى الليـل من بين الحجـارة ، وأصبحت قريبة من الموقع ، وتقدمت أخرى نحو الهويس ، وكمن الآخرون فوق النخيل على بعد أمتار منهم .

وطوقـت داورية إنجـليزية الرجـال الذين تقـدموا الصـفوف وحاصرتهم ، وأطلقت النـيران من فوق النخيـل على الداورية تحصد رجالها ، ثم تتجه إلى المدافع المنصوبة على الخزان فتسكتها ، وكـانوا على وشك إبادتهم جميعا ، ورفع العـلم الأبيض على الهويس ، وأدير الكوبرى ، ومرت الجمـوع تقرع الطبـول ، وتقدم الثوار بالمراكب وبالبنادق والحراب من البر الشرقى وبالخيول المسرجة وعليها الفرسان تجرى فى اتجاه الريح .

وفى أثناء انتصارهم الباهر ، ظهرت فى اليـوم الخامس طيارة فى السماء قادمة من القاهرة ، ولم يكن لهم بها عهد ، ولا يعرفون عنها شيئا ، وأخـذت تغير فوق رؤوسهم ، وتلـقى القنـابل على غـير هـدف ، فتغير الموقـف ، وذعر النـاس ، وحمـلوا بنادقـهم فى أيـديهم ، وتفرقوا ، وطاروا على وجوههم فى الأرض ، وأخذت المراكـب الشراعية تعود بالمحاربين إلى ديارهم ، وكان الوجوم والتعاسة والخيبة المرة مرتسمة على الوجـوه ، وكانوا وهم الشبان الأشـداء يغلون غيـظا ولا يدرون علة هزيمتهم ، لقد بدأوا المعركة كجنود من الطراز الأول ، وعندما كفوا عن النار ، خيل إليهم أنهم قد انتهوا ، ولكنهم لم يلقوا السلاح .

وخمدت الثورة فى القاهرة ، وأرسـل الإنجليز فرقـة جديـدة إلى أسيوط ، رابطت عند الخزان فى حديقة كبيرة هناك ، وانطلقوا يفتشون القرى فى الشرق باحثين عن الأسلحة ورجال الثورة ، وكانوا يخرجون من معسكراتهم فى الليل سكارى ويشتبكون فى عراك مع الأهالى .

وفى الطريق المنحـدر إلى النيـل ومنـه تنـزل الفـلاحات لملء جرارهن ، عابث بعض الجنود النساء الخارجات من المـاء ، وطـارت النسـوة مذعـورات وتركن الجـرار تسقط وتتهـشم ، وأمسـك واحـدا منـهم بواحـدة من يدهـا وهـم بتقبـيلها وهى تصـرخ وتستغيث .

وتجمع الأهالى واشتبكوا فى عراك دموى مع الإنجليز ، وأخرج أحد الجنود مسدسا وأخذ يطلق النار كالمجنون ، وكان الأهالى عزلا من السلاح ، وجاءت طلقة أصابت الجندى وسقط .

وأطلق الإنجليز النار فى كل اتجاه ، وفرغت الشوارع من المارة بعد دقيقة واحده ، وأخذ الظلام يشتد ، وخيم سكون القبور على كل شىء .

ملخص قصة الرجل الأشول



ملخص قصة الرجل الأشول

يقص علينا البدوى ، واقعة خروج جنديان إنجليزيان من المعسكر فى مدينة أسيوط عقب ثورة 1919 ، وانطلقا وأوغلا فى السـير على الخيل حتى دخلا القرى التى توجـد شرق الخزان ، وفى اثناء عدوهما ، دهس أحد الراكبين غلاما فقتله ، وقبـل أن يغـادر القرية ، انطلقت رصاصة من مسافة بعيدة أصابت قلب القاتل فسقط على الجسر .

وحوصرت القرية ، وضرب أهلها بالكرابيج ، وقبض على من يمت للغلام القتيل بصلة ، ورغم هذا لم يستدل على الفاعل .

وقامت السلطات بإيفاد أحد الضباط المصريين من القاهرة ، اشتهر بكراهيته الشديدة للمصريين فى أيام الثورة ، وجاء على رأس جنـود بلوك الخفر ، فأخذ يجمع السلاح من كل بيت فى القرية ـ وحتى يكون الإذلال تاما ـ بدأ بالأعيان وبالرؤوس ، وكان أسلوبه فى جمـع السلاح ، هو أن يحلف الرجـل على المصحف ، فإذا أخرج ما عنده تركه ، وإذا لم يكن لديه سلاح ، شد الجنود وثاقه ، وعلقوه فى حـديد الشــباك ، وأخذوا يضربونه ضربا مبرحا حتى يغمى عليه .

وأخذ الضابط يعـاين السـلاح المنـزوع من الأهالى ويقوم بتجربتـه ، وأصابه الزهو والغرور بعـد أن كتـب اسمه على الحائط بطلقـات الرصاص ، وسمح للأهالى بمشاركته ، ولكن لم يبلغ شأوه أحد .

وحينما قرر أن يقف أحد الخفراء فى الساحة بجوار حائط الـدوار ويخلع لبدته وتوضع على رأسه بيضة ليقوم بالتصويب عليها ، واستعد ليضرب ضربته ، انطلقت رصاصة ، أطارت البيضة ، من بندقية حسين الاشول ، الذى كان يقف وحده وراء الساحة ، وظل فى مكـانه أكثر من دقيقة يرقب القوم بعينى صقر ، ثم وضع البندقية على كتفه وبارح المكان .

وتقول نهاية القصة : "وفى ساعة الظهر ، رأى الضـابط من نافذة السيارة .. نفس الرجل الاشول .. يهبط بحمل صغير التل .. وعلى كتفه نفس البندقية .. فوضع الضابط يده على مسـدسه .. وأخرجه من جيبه .. وهو يتابع الأشول ببصره .. ومرت لحظة رهيبة .. شعر الضابط بيده تعيد المسدس إلى مكانه ..

ولما انطلقت السيارة فى أقصى سرعتها ، وغاب الرجـل عن بصره .. كان الضابط يسائل نفسه فى تعجب :

" لماذا لم يقبض على الرجل .. بعد أن تيقن أنه هو الذى قتل العسكرى الانجليزى .. لماذا .. ؟ ولماذا حتى لم يجرده من سلاحه ؟ ".

الرؤية الفلسفية


الرؤية الفلسفية :

فى هذه القصة عبر البـدوى عن صورة الشعب الذى مزقه الاحتلال ، ويتحين الفرصة للخلاص ، ويتطلع لتحرير أرضه :

بين فيها موقف المحتل من حادثة قتـل العسـكرى الإنجليـزى ، واعتماد سلطات الاحتلال على بعض النفوس المريضـة التى تعيش بيننـا ويعتمـد عليها فى تحقيق اغراضه .

فلم يقيد الواقعة ضد مجهول بعد أن أتعبه البحث ، ولم يتوصلوا بعد جهود طويلة إلى شىء ولم يسدلوا الستار ، ولكنه أرسل إلى القرية أحد الضباط من بنى وطنهم ، مصرى ، ولكن قلبه مملوء بالشر ، ويتفنن فى ممارسة انواعه .

وعلى الجانب الآخـر ، قدم نموذج للرجل الصعيدى الشهم الذى يتميز بجسارة القلــب وقـوة الشخصـية ، لم يقبـل لأهـل بلده الهوان ولم يرض لهم بالذلة ، وخاصة من ضابط من بنى وطنه أصابه الغرور مزهو بنفسه ويحس بقدرته على أن فى استطاعته أن يحصل على ما يريد بقـوة ساعده واتخـذ من الأهـالى مجـالا للتنفيس عن نفسـه المريضـة ، هذه الشخصية ـ الرجل الصعيدى ـ حينما رأى العسكرى الإنجليزى وقد تسبب فى إنهاء حيـاة الصبى على تلك الصورة البشعة ، دون حسيب أو رقيب ، لم يتمالك نفسه وأنزل القصـاص ، وواجه مصيره بشجاعة ، وكشف عن نفسه ، وهو يعرف أنه سيموت حتما ، ومن هذا المنطلق ، يبين لنا البـدوى معدن الرجـل الذى نبت فى البيئة الصعيدية ، منبع الشخصيات القوية التى تمتلىء بالمروءة والشهامة .

كما أنه فى تلك القصة يبرز عنصرى الخير والشر فى الإنسان ، وكلاهما يمشى فى خطين متوازيين ، فإذا غلب الخير ، انطمس الشر واختفى ولكن إلى حين 0 وقد صحت نوازع الخير فى نفس الضابط المصرى فجـأة وبددت نوازع الشر ، ولم يقبض على القاتل لإيمانه بأن ما قام به الأشول واجـب على كل مصرى يدافع عن وطنه المسلوب.

قصة حدث ذات ليلة

حـدث ذات ليــلة

قصة محمود البدوى


حدث ذات ليلة من ليالى الصيف عام 1919 وكانت الثورة المصرية مشتعلة فى طول البلاد وعرضها ، أن نشبت المعركة بين المصريين والإنجليز فى مدينة أسيوط .. وبدأت بإطلاق النيران على معسكرات الإنجليز عند الخزان .

واحتملت قرية " الوليدية " وهى قرية صغيرة مجاورة للخزان كل أعباء المعركة .. على أن القرى المجاورة لم تتركها وحدها بل أرسلت إليها أحسن رجالها الشجعان .

كان الرجال يأتون إليها من كل صوب على ظهر المراكب الشراعية الصغيرة والكبيرة .. ويخوضون غمار المعركة مستبسلين .

وكنا نحارب كما يحارب الثوار فى غير نظام ولا قيادة .. ومع هذا فقد فكرنا فى أن نفعل ما يفعله المحاربون فى الميدان حقا .. فكرنا فى أن نقطع الخط الحديدى عند قرية " منقباد " لنمنع المدد والمؤن عن الأعداء وبذلك نميتهم جوعا .

واجتمع فى قرية صغيرة على الضفة الشرقية للنيل أكثر من خمسمائة رجل من مختلف القرى مسلحين بالبنادق القديمة والحديثة والخناجر والعصى والحراب .. ومعهم خيولهم وجمالهم وحميرهم .

ونحرت لنا الذبائح .. وجلسنــا نتعــشى فى العراء على " الطبالى " خمسة .. خمسة .. وكنا نتحدث فى حماسة بالغة ، ونلتهم الطعام على ضوء المشاعل .. ونسمع صهيل الخيل وهدير الفحول .. وعواء الكلاب فى القرية .. وكنت أرى عيون الرجال تبرق فى الظلام .. وأشاهد فى دائرة الضوء لحاهم وشواربهم الضخمة وأجسامهم الطويلة .. وكانوا يرتدون الجلابيب السمراء والزرقاء ويعصبون رءوسهم .. ويتمنطقون بالأحزمة الجلدية المليئة بالرصاص والخرطوش .

وكانوا يمسحون أفواههم بأطراف أكمامهم ، ويشعلون لفائف التبغ .. ويشربون القهوة .. ويتحدثون عن الليل والرجال .

وكنت مأخوذا بسحر حديثهم وبقوة شخصيتهم .. وبجبروتهم الذى لاحد له .

كان أكثرهم من الرجال الشجعان الذين يقطنون فى الجبل الشرقى .. وقد نشأوا أحرارا أشداء .. يأبون الضيم ويدافعون عن العرين .

وعندما وقف واحد من الطلاب وأخذ يتحدث عن الاستعمار والبلاء الأسود النازل بالبلاد .. رأيتهم ينصتون فى سكون وعيونهم تلمع ووجوههم منفعلة من فرط الغضب .. ثم أخذوا يعمرون البنادق ويشحذون الأسلحة .

وتركنا الخيل والجمال والحمير مع الغلمان .. وعبرنا النيل إلى الضفة الغربية وهناك انقسمنا إلى فرق صغيرة اتجه بعضها إلى الخزان .. وذهبت مع فرقة مكونة من ثمانية عشر رجلا من الرجال الأشداء إلى " منقباد " لنقطع الشريط الحديدى وكنت على رأس هذه الفرقة .. وسرنا حذاء النيل على الرمال الناعمة .. وكان الليل فى أخرياته والظلام شاملا والسكون رهيبا .. ثم انحرفنا عن الطريق السوى وسرنا وسط الحقول .. وكانت السماء كابية والريح تزأر فى أخصاص " البوص " التى مررنا بها .. ولما صعدنا المنحدر واقتربنا من الخط الحديدى بدا صوت اقدامنا يسمع بوضوح فى هذا السكون العميق .. وتقدمنا فى قلب الليل ولما بلغنا الجسر كان الشريط يلمع ملتويا فى الظلام .. وكانت أعمدة البرق وأسلاك التليفون تهتز والريح تصفر فى جنبات الوادى المقفر .. وعندما أخذت أرجلنـا تضرب على الزلط الذى يتخلل القضبان .. شعرت بعظم المهمة الملقاة على عاتقى وانتابتنى الرهبة .. وأخذت المكان بنظرة خاطفة وأعطيت الإشارة للرجال .. وبدأت المعاول تعمل .. وبعد قليل فرغنا من مهمتنا وقفلنا راجعين .

***

تفرقنا فى قلب الليل كالذئاب بعد أن تنفض مخالبها من الفريسة .. وسرت وحدى وسط الحقول .. وكان الليل ساكنا وأشجار النخيل تخيم من بعيد على قرية " الوليدية " وتغرقها فى لجة من الظلام الشديد .. وكانت الكلاب لاتزال تنبح فى الحقول .. والديكة تصيح فى أكواخ الفلاحين معلنة طلوع الفجر .. وعندما بلغت طرف القرية الشمالى شعرت بالجوع والنعاس فتمددت فى ظل شجرة كبيرة من أشجار السنط .. وأخذنى النوم واستيقظت على دوى الرصاص .. وكان اليوم الثالث للمعركة بيننا وبين الانجليز .. فذهبت إلى الميدان وظللت أقاتل حتى المساء .

وفى اليوم الخامس ظهرت طيارة فى السماء .. وأخذت تلقى القنابل على غير هدف .. وذعر الناس ولم يكن لنا بها عهد ..

وحملنا بنادقنا فى أيدينا وأخذنا نهيم على وجوهنا فى الأرض .. وأخذت المراكب الشراعية تعود بالمحاربين إلى ديارهم ..

وكان الوجوم والتعاسة والخيبة المرة مرتسمة على الوجوه ، وكنا نحن الشبان الأشداء نغلى غيظا فلم نكن ندرى علة هزيمتنا .. لقد بدأنا المعركة كجنود من الطراز الأول وعندما كففنا عن النار خيل إلينا أننا قد انتهينا .. ولكننا مع هذا لم نلق السلاح .

***

وخمدت الثورة فى القاهرة وأرسل الإنجليز فرقة جديدة إلى أسيوط .. وكانت ترابط عند الخزان فى حديقة كبيرة هناك .. وكانوا يخرجون من معسكراتهم فى الليل سكارى ويشتبكون فى عراك مع الأهالى .

وكنت قد هجرت قريتى وأخذت أمضى الليل فى بستان صغير قريب من " الوليدية " لأن الإنجليز انطلقوا يفتشون القرى فى الشرق ، باحثين عن الأسلحة ورجال الثورة .

وذات ليلة جلست كعادتى فى البستان .. وكان بجواره طريق صغير ينحدر إلى النيل ومنه تنزل الفلاحات لملء جرارهن .. وكن يحملن الجرار على رءوسهن وينزلن إلى الماء .. ويشمرن عن سواعدهن ويرفعن أطراف ثيابهن ، وتبدو سيقانهن البللورية وهى تغوص فى اللج .. وعندما يملأن الجرار ويطلعن على اليابسة يتركن ثيابهن تنسدل وشعرهن يهتز فى ضفائر على ظهورهن .. والخلاخيل الفضية تبدو فى السيقان الممتلئة وهن صاعدات المنحدر .

ومر فى الطريق بعض الجنود الإنجليز .. وأخذوا فى معابثة النساء الخارجات من الماء .. وطار هؤلاء مذعورات وتركن الجرار تسقط وتتهشم .. وأمسك واحد منهم بواحدة من يدها ورأيته يعابثها ويهم بتقبيلها وهى تصرخ وتستغيث ، وتملكنى غيظ مستعر وأنا أشاهد هذا المنظر .

وتجمع الأهالى واشتبكوا فى عراك دموى مع الإنجليز .. ورأيت أحد الجنود يخرج مسدسا ويطلق النار كالمجنون .. وكان الأهالى عزلا من السلاح .. فأخرجت بندقيتى من مكمنها .. وسددتها وسقط .. وأطلقوا النار فى كل اتجاه .. فأصابتنى رصاصة فى ساقى ولكننى تحاملت على نفسى وزحفت فى الظلام .

وفرغت الشوارع من المارة بعد دقيقة واحدة .. وخيم سكون القبور على كل شىء ، وأخذ الظلام يشتد ، وسمعت وأنا ممدد فى مكمنى حركة فى طرف البستان .. ثم ظهرت عن بعد داورية إنجليزية تفتش فى كل مكان وبدا لى أنهم أخذوا يطوقون البستان .. فأسرعت وربطت ساقى بقطعة من القماش نزعتها من ثوبى بعد أن حشوت الجرح بالتراب .. وزحفت فى حذر .. ودارت عيناى فيما حولى تبحث عن ملجأ فى هذا الظلام .

وشاهدت منزلا صغيرا على النيل فاتجهت نحوه وأنا مدفوع بقوة لاقبل لى بها .. ودفعت الباب ودخلت .. وسمعت صوتا نسائيا يقول :

ـ مين ..؟
ـ أنا ..

ورأيت امرأة فى صحن الدار .. وكانت تلبس جلبابا أسود .. وعلى رأسها منديل أسمر .. ونظرت إلىّ فى هلع وأنا داخل بيتها وبيدى البندقية وعلى وجهى الشر .

وقالت بصوت مرتجف :
ـ مالك ..؟
ـ جريح .. وعطشان ..

ودخلت ومشت إلى الداخل دون أن تنبس ، وعادت بعد قليل بكوز فتناولته منها ورفعته إلى فمى مرة واحدة .. وسمعت حركة شديدة ولغطا فى الشارع .. فانزويت خلف الباب وأمسكت البندقية فى يدى .. وتهيأت لكل الطوارىء .. ووقفت المرأة تنظر إلىّ من بعيد وهى مضطربة واجمة .

وسمعت طرقا شديدا على الباب .. فلم يرد أحد .. وخيم السكون لحظات .. ثم سمعت من يقول بصوت عال :
ـ دا بيت حميدة .. يا شيخ الخفر .. وهيا مسافرة ..
ـ مسافرة ..؟
ـ أيوه .. مسافره بحرى .. من مدة ..

وبعد الصوت .. وخيم السكون من جديد فتنفست الصعداء .. ورجعت إلى صحن الدار وأنا أتحامل على نفسى وتمددت هناك .. ونظرت إلى المرأة طويلا ولم تقل شيئا .. فقلت لها :

ـ لاتخافى .. سأستريح قليلا ثم أذهب .. متى فرغوا من التفتيش
ـ ولماذا تخاف أنت ..؟
ـ البندقية .. وأنت تعرفين الأحكام العسكرية ..
ـ هاتها .. وأنا أخبئها فى مكان لايعرفه أحد ..
فقلت لها وأنا أبتسم :
ـ إنها سلاحى .. وأنا لا ألقى السلاح ..
فهزت كتفها ووقفت ساكنة وبعد قليل تحركت نحو الباب الخارجى .. فقلت لها بصوت هادىء :
ـ إلى أين ..؟
ـ سأشترى بعض الأشياء من السوق ..
ـ مكانك .. لن تبرحى هذا البيت ما دمت أنا فيه ..
ـ إنك مجنون ..
قالت هذا واحمر وجهها غضبا .. وظلت واقفة فى مكانها بجانب الباب .. ثم استدارت ومشت إلى الداخل .. وعاد إليها بعض الهدوء ..

وقالت مبتسمة بصوت رقيق :
ـ ألا تعرفنى ..؟
ـ أبدا..
ـ أنا حميدة الغربية .. بياعة القماش .. وأنت من بنى مر .. وأنا أعرفك جيدا .. واسمك عبد الرحمن المرى ..

فذهلت .. كيف عرفت اسمى ..
واستطردت :
ـ لقـد ذهبت إلى منزلكم فى غرب البلد مرارا .. ألا تذكرنى ..؟
وتذكرتها بخالها الأسود على خدها الأيمن .. وبعينها العسليتين وابتسامتها الحلوة .
ـ عرفتنى ..؟
ـ أيوه ..
ـ سيبنى أطلع بره ..
ـ لأ..

وجلست على الأرض أمامى .. وكان المصباح البترولى الصغير تهتز ذبالته وبريق الضوء على وجهها الصبوح ، وكان ثوبها الأسمر يلف جسمها الممتلىء ، ومنديلها يغطى جزءا من شعرها .

وأخذنا نتحدث حتى مضى جزء كبير من الليل .. وكنت أتصور أنها تمهلنى لأنام .. ومتى نمت خرجت ، ولهذا ظللت ساهرا لاتغمض لى جفن .. وذهبت هى إلى فراشها ..

وفى الصباح ابتدرتها بقولى :
ـ حميدة .. هاتى مفتاح الباب الخارجى ..
فأعطتنى المفتاح وهى صاغرة ووضعته تحت رأسى ..

ومكثت معها ثلاثة أيام .. وظلت محبوسة قلقة مضطربة وزادها الحبس اضطرابا وعصبية وكاد ما فى البيت من خبز وإدام أن ينفد وجعلها هذا أكثر قلقا .. وكانت ترمينى بنظرات نارية وتبتعد عنى ما أمكن ..

ولما نفد معين صبرها قالت لى بصوت خافت :
ـ أنا عارفة ..
ـ عارفة إيه ..؟
ـ القاتل ..
وانتفضت ..

ومضت تقول فى خبث ظاهر :
ـ لقد رأيته بعينى هاتين من سطح البيت .. وكان فى البستان ..

وتحركت من مكانى أزحف على قدمى ، وعيناى ترميانها بنظرات ملتهبة .. واجتاحتنى موجة من الغضب جارفة عارمة .. عندما تبينت أنها تعرف سرى كله .. وأننى معلق فى حبل المشنقة ، وهى التى تمسك بيدها الحبل .. وإن شاءت جذبته وطوقت به عنقى ..

وأمسكت بقبضتها وجذبتها نحوى
وقالت بصوت راعش :
ـ سيبنى يا مجرم .. سيب ..

ودارت يدى حول رسغها .. وشددتها إلىّ .. وكنت قد نهضت نصف قومة .. فدفعتنى بيدها إلى الوراء بقوة .. وقد تدحرجنا على الأرض فطوقتها بذراعى ، وأخذت أضرب وجهها وجسمها ضربا مبرحا ، وأخذت تبكى بصوت مكتوم وتضربنى ما وسعها الضرب .

واشتبكنا فى عراك طويل .. ولم تعد بى قوة على الامساك بها فأطلقتها .. فنهضت وعيناها مخضلتان بالدمع .. وكان شعرها منفوشا ووجهها محتنقا .. ودارت فى صحن الدار كالمجنونة ثم بصرت بقالب فى " الكانون " فأسرعت ورمتنى به .. وحط القالب على صدغى وغبت عن الوجود .

ولما فتحت عينى كان الظلام يخيم .. وكان الدم يلطخ وجهى وثوبى .. وكانت حميدة جالسة عند رأسى تمسح الدم بمنديلها ! ولما شعرت بأننى تنبهت حركت يدها فى لين ورفق على جبينى ، ثم أخذت تتحسس ذراعى .. وقربت وجهها من وجهى ونظرت طويلا فى عينى .. ثم ارتمت على صدرى ، وطوقتها بذراعى ورحنا فى عناق طويل .

ولما التأم الجرح وقويت على السير خرجت فى ظلام الليل مودعا حميدة وكانت فى لباسها الأسود وعلى رأسها منديلها وخرجت معى إلى الزورق الذى أعدته لى ..

ولما تحرك الزورق بى وقفت على الشاطىء تمسح عبراتها .. فتحولت بوجهى عنها ، وأنا أغالب عواطفى واتجهت إلى الشرق ..
================================
نشرت فى مجلة قصص للجميع 14/11/1950وأعيد نشرها فى مجموعة " حدث ذات ليلة " لمحمود البدوى 1953 وفى مجموعة قصص من الصعيد من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى عام 2002
=================================

قصة الرجل الأشول

الرجل الاشول

قصة محمود البدوى


حدث فى أعقاب الثورة المصرية سنة 1919 أن خرج جنديان انجليزيان من المعسكر فى مدينة أسيوط .. وسارا على الخيل بين المزارع .. وكان الجو لطيفا فأبعدا فى السير .. ولم يستطيعا مقاومة الرغبة فى الاستكشاف .. فانطلقا بالخيل على الجسر حتى دخلا القرى التى توجد شرق الخزان .. وقابلهما الفلاحون بالهدوء والصمت .

وفى اليوم التالى رآهما الفلاحون مقبلين من بعيد .

وفى اليوم الثالث كانا يعدوان بجواديهما كأنهما فى حلبة السباق .. فنفرت البهائم العائدة من الحقول .. وذعر الغلمان ودهس أحد الجوادين المنطلقين غلاما صغيرا كان يلعب بجوار الترعة .. فقتله ..

وقبل أن يبلغ الجنديان المدينة .. أصابت راكب الجواد الاشهب الذى قتل الغلام رصاصة فسقط على الجسر .

وحوصرت القرية القريبة من مكان الحادث وفتشت وضرب أهلها بالكرابيج ..

ورغم هذا لم يستدل على الفاعل ..

واستمر الحصار وكان والد الغلام القتيل متوفيا فقبض على كل من يمت له بصلة .. ومنع الأهالى من الخروج إلى الحقول بعد الغروب .. واستمر التحقيق اسبوعا بطوله ..

وقرر الطبيب الشرعى أن القتيل أصيب من رصاصة أطلقت من مسافة بعيدة تزيد على مائة متر .. وأن الرامى أصاب سويداء القلب ، وأنه لم يحدث فى حياته كطبيب أن رأى مثل هذا التصويب ..

ورأى المحققون أن القاتل لابد أن يكون مدربا تدريبا متقنا على ضرب النار .. ويرجح أن يكون من عساكر الرديف ..

وقبض على كل عساكر الرديف فى المنطقة .. وقدم من القاهرة جنود بلوك الخفر وعلى رأسهم ضابط مصرى اشتهر فى أيام الثورة بكراهيته الشديدة للمصريين .. وأخذ فى جمع السلاح من كل بيت فى القرية ..

وكان يحلف الرجل على المصحف .. فإذا أخرج ما عنده تركه .. وإذا لم يكن لديه سلاح .. شد الجنود وثاقه وعلقوه فى حديد الشبابيك .. وأخذوا يضربونه ضربا مبرحا .. حتى يغمى عليه .

وبدأ بالأعيان .. وبالرؤوس .. ليكون الاذلال تاما .. وتكومت قطع السلاح .. وظل الأهالى يصرخون من التعذيب حتى قارب الليل منتصفه .. ثم تعشى العساكر وناموا ..

***

وفى الصباح القى الضابط نظرة على قطع السلاح التى جمعها .. وأخذ يجرب بعضها فى ضرب النار .. ثم أخرج مسدسة .. وأخذ يصوب .

وكان يصيب الهدف من كل الأبعاد .. ورسموا له دائرة بحجم القرش فأصابها من مسافة عشرين مترا ..

وأخذ العمدة والأعيان يصوبون مثله .. ولكنهم كانوا يخطئون الهدف فى معظم الحالات .. وأخذت الضابط الحمية فسمح للأهالى بأن يشتركوا فى المباراة .. ولكن لم يبلغ أحد شأوه .. وظل هو المتفوق الذى ليس له ضريب .

وأظهر براعته الخارقة بأن كتب اسمه على الحائط بالرصاص وصفق له الناس .. ورجع بكرسيه إلى الوراء وهو يضحك مزهوا ..

***

ولم يكتف بهذا الانتصار .. بل فكر فى شىء مثير .. فقرر أن يقف أحد الخفراء فى الساحة بجوار حائط " الدوار " وعلى لبدته الحمراء .. بيضة دجاجة !!

ومع كل ما فى المسألة من حماقة لم يستطع أحد أن يفتح فمه ..

ووقف الخفير المسكين .. وطارت البيضة من فوق رأسه وصفق الناس .. وضحك الضابط ..

وقرر أن يخلع الخفير اللبدة وأن توضع البيضة على رأسه وذهل الناس ونظر بعضهم إلى بعض .. ولكن لم يستطع واحد من الجالسين أو الواقفين أن يعارض هذه الرغبة ..

ووضعت البيضة على رأس الخفير المسكين وامتلأت الساحة بالأهالى .. وكتم الناس الأنفاس .

وخيم السكون واستقرت العيون كلها على رأس الخفير .. وكفت القلوب عن الخفقان .. واستعد الضابط ليضرب ضربته .

وفى هذه اللحظة .. انطلق شىء وهو يصفر من فوق رأس الضابط .. وطارت البيضة ..

وتلفت الضابط والناس مذعورين .. ووجدوا رجلا يقف وحده وراء الساحة .. ويمسك بيده اليسرى بندقية قصيرة .

وصاح أحد الواقفين
ـ حسين الاشول ..

وظل الاشول هناك فى مكانه أكثر من دقيقة يرقب القوم فى الساحة بعينى صقر .. ثم وضع البندقية فى كتفه وبارح المكان .

***

وفى ساعة الظهر رأى الضابط من نافذة السيارة .. نفس الرجل الاشول .. يهبط بحمل صغير التل .. وعلى كتفه نفس البندقية .. فوضع الضابط يده على مسدسه .. وأخرجه من جيبه .. وهو يتابع الاشول ببصره .. ومرت لحظة رهيبة .. شعر الضابط بعدها بيده تعيد المسدس إلى مكانه ..

ولما انطلقت السيارة فى أقصى سرعتها وغاب الرجل عن بصره .. كان الضابط يسائل نفسه فى تعجب ..

ـ لماذا لم يقبض على الرجل .. بعد أن تيقن أنه هو الذى قتل الضابط الإنجليزى .. لماذا ..؟ ولماذا حتى لم يجرده من سلاحه ؟

وأشعل سيجارة شعر بعدها بالراحة .
وكانت السيارة قد اقتربت من المحطة ..
===============================
نشرت القصة فى صحيفة الشعب المصرية 19/8/1956 واعيد نشرها فى مجموعة قصص من الصعيد من تقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر 2002
================================

المراجع من قصص محمود البدوى عن ثورة 1919 فى أسيوط

المراجع من قصص محمود البدوى عن ثورة 1919 فى أسيوط

1- الشيخ عمران ... نشرت بصحيـفة أخبار اليوم7121946 وأعيد نشرها بمجموعة العربة الأخيرة

2- حـدث ذات ليـلة … نشـرت بمجـلة قصـص للجميــع فى
14111950 وأعيد نشرها بمجموعة حدث ذات ليلة وبمجموعة قصص من الصعيد من تقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ الناشر مكتبة مصر 2002

3- حفلة زفاف .. . نشـرت بمجــلة الجيــل 1011955
وأعيد نشرها بمجموعة الجمال الحزين

4- البـطل ... نشـرت بصحيــفة الجمــهورية 251955
وأعيد نشرها بمجموعة الغزال فى المصيدة

5- حـادث فى القرية ...نشـرت بمجـلة الجيـل 1231956
وأعيد نشرها بمجموعة الغزال فى المصيدة

6- الرجـل الأشول ... نشرت بصحيفة الشـعب 1981956
وأعيد نشرها بمجموعة الزلةالاولى

7- الرجـال ... نشـرت بصحيــفة الشــعب 291956
وأعيد نشرها بمجموعة الغزال فى المصيدة


8 - النـور ...نشـرت بصحيــفة الشــعب 13121956
وأعيد نشرها بمجموعة قصص قصيرة

9- الطلقـة الأخيرة ...نشـرت بصحيـفة المساء 2101959 وأعيد نشرها بمجموعة ليلة فى الطريق

10- الجواد والفـارس ... نشرت بمجلة المجلة ـ عدد مارس 1971

11- الرجل الصامت ... نشـرت بمجـلة الثـقافة – مارس 1976 وأعيد نشرها بمجموعة عودةالابن الضال

الفصل الثانى : الحرب العالمية الثانية

الحرب العالمية الثانية

" إن رجــلا مـا قد أشــعل الحــرب .. مثـل هتـلر .. ولكن لاتوجـد قوة بشرية تجعـلها تستمر بمثـل هـذه الفظـاعة ما دمنـا لانريدها .. فالحـرب من صنعـنا فى الواقـع ، ومن عمـل البشر .. وهى جنـون مطبـق ودمـار شـامل ..

ومـا دمنــا لانستطـيـع أن نوقـف هـذا الدمـار .. فنحـن أعـجز من أن نحـرر أنفسـنا من الذين يدفعـوننا إليـها دفعـا .. فالاستعـباد البـشرى سيـظل سرمـديا .. فقـط هـو يأتى فى كل فترة من التـــاريخ على صورة ما "



وقعت هذه الأحداث خلال عام 1942 عندما دارت المعارك بين الألمان والإنجليز فى الصحراء الغربية أثناء اشتعال الحرب العالمية الثانية ، وقد جعل البــدوى مدن القاهرة والإسكندرية وبور توفيق مسرحا لأحداث قصصه ، ولم يكن المصريون قد اشتركوا فى الحرب أو كان لهم بها شأن ، ولكنهم اكتووا بنارها ، وسقطت عليهم القنابل ، وجاعوا وتعذبوا بسببها .

آثار الحرب العالمية الثانية على مدينة الإسكندرية

القـاهرة

اشتـعلت نيران الحـرب بين الألمـان والإنجليز ، ودوت صفارة الانذار ، وخافت النساء واضطربن وتجمـعن فى الأدوار السفلى من البيوت ، وأسرع الرجـال من الطرقـات إلى مداخـل المساكن وإلى المخابىء ، وسمع أزيز الطائرات وقصف المدافع المضـادة ، وصوت القنابل القريبة وهى تدوى بفظاعة وعنف ، وكلما أرعد الجو وأبرق ، صاحت النســاء وهـن يطرن فزعا0

ودارت المعـارك على أشـدها فى الصـحراء الغربية ، وتطورت الأحوال بسرعة ، والإنجليز وحلفاؤهم يتراجعون ويفرون أمام ضربات روميل القاصمة وهو يزحف فى الصحراء .

كانت كل القرائن تدل على أن هذه المجزرة البشرية ستنتهى بسحق الإنجليز واندحارهم ، وكانوا يولون الدبر فى كل ميدان0

وأخذ العساكر الإنجليز يتكاثرون فى قلب العاصمة ، وامتلأت بجيوش الانجليز وحلفائهم ، منها يذهبون إلى الميدان وإليها يعودون0

وكانوا منكسرين على طول الجبهة ويغطون انكسارهم بالعراك مع المصريين كلما التقوا فى مكان ، وكانوا يسمعون المصريين يهتفون " تقدم يا روميل " فيزداد غيظهم وسعارهم0

وأخذوا يمرحون فى القاهرة ويسكرون فى حاناتها ، ويملأون الدنيا صياحا ويغنون بالانجليزية فى صخب أغان بشعة ، ويخرجون من الحانات ويمشون فى جماعـات ويدورون سكارى صاخبين معربدين ويحتكون بالمارة المسالمين ويشتـبكون معهم فى عراك دموى ، ويكثر وجودهم فى العتـبة وفى شارع كلـوت بك حيث ظلام الحرب والمواخـير والحشـد المتدفق من الجمهور .

وكان السكارى من جنود الحلفاء يعترضون طريق المواطنين ويخطفون طرابيشهم ، فابتعدوا عنهم وعن طريقهم وعن الأماكن التى يسهرون فيها .

وكانت النساء يسرعن عائدات إلى بيوتهن قبل الغروب وقبل الظلام ، وكن يرتجفن من الخوف كلما شاهدن أحدهم مقبلا عليهن من بعيد .

وانقلبت السينمات ، انقلبت فى الظلام إلى مواخير بسبب الحرب وبسبب جنود الحلفاء .

وذهب العمال ليعملوا فى الجيش البريطانى لزيادة أجورهم والكل يجرى وراء الفلوس .

وطـالت الحـرب واستولى اليأس على النفوس ، وسئم الناس من كل شىء ، وخيم الظلام وطال الفقر والجـوع ونقمة المواطنين على التموين ، وكان الخبز يختفى ثم يظهر أسود كالطين ، ومع ذلك كان الناس يأكلون ، ولم يكن المصريون قد اشتركوا فى الحرب أو كان لهم بها شأن ولكنهم اكتووا بنارها ، وسقطت عليهم القنابل ، وجاعوا وتعذبوا بسببها .

وأفسدت الحرب كل شىء ، فقد تجد عربة وعربتين وثلاث عربات واقفات فى الميدان ساعة وأكثر من ساعة وهى محملة بالركاب ولا تتحرك منها واحدة ، وسائقى التاكسيات كانوا يسرعون فى الليل إلى الملاهى لانتظار جنود الحلفاء ولا يستمعون لنداء المواطنين .

وفى محطة القاهرة يدخل الجنود الإنجليز فى فصائل إلى الرصيف ، وكانت المحطة تعج بالجنود الهابطين من القطارات والصــاعدين إليها بأحمالهم وبنادقهم على أكتافهم ، وأثر الهزيمة باد على وجوههم ، والناس يتخاطفون الصحف والأنباء فى كل لحظة تأتى بخبر جديد .

وفى المحطات كان القطار يجىء متأخرا عن ميعاده ساعة وأكثر من ساعة ، مزدحما بالركاب وكئيبا ، وعرباته قذرة ولم تكن فيه إضاءة والمصابيح كلها مرفوعة من سقف العربات ، وإن وجدت ، فالإضاءة ضعيفة والمصابيح مطلية باللون الأزرق . وبعد مغادرته المحطة ، يتوقف ، ويطول الوقوف ، فإذا سألت عن السبب ، يقولون غارة .. رغم أن الركاب لم يسمعوا صفارة الانذار ، أو صوت طائرة .

وفجأة يلمع شىء فى السماء كالشهب ، وتتأجج النيران لمدة خمس دقائق ، ويخيل للركاب أن الجحيم قد أحاطتهم باللهب .

وكان شارع القصر العينى يزخر طول الليل بحركة السيــارات الكبيرة المحملة بالجنود الذاهبة إلى الميدان والعائدة منه ، وكان رتل السيارات لا ينقطع فى هذا الظلام الشديد لحظة واحدة .

وكانت السيارات تنطلق فى سرعة فائقة ، ولهذا كان السائر فى هذا الشارع يسير حذرا خائفا متوجسا من الظلام ومن السـيارات ومن الجنود انفسهم .

وقوافل السيارات الضخمة مغشاة أنوارها وذاهبة إلى الصـحراء تعبر كوبرى " أبو العلا " تقودها النساء الجميلات فى ملابس الحرب .

وأسرع الناس يخفون جواهرهم وحليهم ويسحبون ودائعهم من البنوك .

وكان " النوتية " يسرقون حاجات السلطة من " الصنادل " ويبيعونها بأرخص الأسعار والذين يشترون منهم هذه الاشـياء يبيعونها لأهل القرى ويكسبون كثيرا .

ومن الناس من كان يتاجر فى مخلفـات الحـرب ، فكان عساكر الانجليز يأتون اليهم باللوريات محمـلة بالبطاطين والمأكولات المحفوظة، والمعاطف والملابس ، فكانوا يشترونها منهم ببضعة جنيهات ويبيعونها بالألوف ، وكونوا ثروات ضخمة .

ومن الناس من كان يبيع الماء الملون لأصحاب الحوانيت على اعتبار أنه ويسكى اسكتلندى ويبيعه بالصناديق ، المغلفه المختومة .

وكانت نساء الإفرنج يستقبلن العساكر الإنجليز والأمريكان على ابواب المعسكرات ويذهبن معهم إلى السينما وإلى البنسيونات ويقضين معهم ساعات من الليل وهن لا يجدن فى الخيانة الزوجية أى بأس .

وكان فى مواجهة الراوى منـزل قد اتخذ مسكنا " للمجندات " وكان يرى هـؤلاء الفتـيات وهن رائحـات وغاديات فى حجرات البيـت وردهاته ، ويشاهدهن وهن جالسـات يدخـن السجـاير ، ويشربن البراندى ، ويراهن يخلعن ملابس المجندات استعدادا للنوم ، ويرتدينها فى الصـباح ، ويقـمن بالحركات الرياضـية " السـويدية " ويشاهدهن فى احزان الوحدة ، أو عندما يعدن من سهرة صاخبة ، وكان منظرهن يثير أعصـابه وهو يراهن من نافذة غرفته ، كاشفات عن كل المفاتن.

مشاهدات الراوى لأحداث رآها

رأى وهو يعبر ميدان مصطفى كامل ، فتاة مصرية يبدو عليها الجمال والفقر واقفة مع شاب قصير يرتدى جلبابا وعلى رأسه طاقية ، وكان يحادثها بصوت خافت ثم رآه يركبها "تاكسى" مع ثلاثة من العساكر الإنجليز0

ورأى فى شارع قصر النيل فتاة مصرية جميلة جمالا نادرا ووقف بجوارها شاب مصرى يرتدى الجلباب وأخذ يهمس فى أذنها فوقفت فى مكانها كأنها تفكر وبعد لحظات شاهدها تركب التاكسى مع عسكرى انجليزى . فانتفض لأنه رأى مثل هذا المنظر من قبل ونسيه.

وفى السيـنما شاهـد فى الصفوف التى أمامه عسكريا من عساكر الانجليز يعانق فتاة بجواره بحرارة وقد ترك الشاشة وانصرف للفتاة .

وقرن الراوى هذه المنـاظر المؤلمة بحـالة عامة ، وهى أن الحـرب تأكل الفقراء من النـاس وعليهم يقع عبؤها الأكبر ، وكل شىء يجرى فى عجلة الحرب ودوامتها .

وعلى الجانب الآخر فإن بعض النفوس لاتزال حية ، وتناضل ببسالة . يقول الراوى فى قصة " الشعلة " :

" لم تكن حانة منيرفا بالمكان الذى تجلس فيه النساء ، ولكن يحدث فى بعض الحالات أن تأتى سيدة مع رفقة لها ، أو تجلس وحيدة لتتعشى أو تشم النسيم …. وكان صحن الحانة متسعا وعلى الجانب الأيمن منصة .. كأنهـا مسرح قديم ، كانت ترتفـع عن أرض الحانة بثلاث درجات .....

دخلت سيـدة شابة وجلست إلى مـائدة صغيرة ، وكانت جميلة وحسنها يهز المشاعر .. وشـعرت بالأسى لأنها اختـارت هذا المكان لتجلس فيه وهو ليس أكثر من بار . وشعرت بالألم لأن شكلها لا يدل على انها تتردد على هذه الأمكنـة العـامة . وطلبت طبقا من المكرونة وأخذت تأكل .

وبعد أن أكلت وضعت الشوكة والسكينة فى الصحن .. ونظرت إلى قليلا فتأكدت من هذه النظرة انها مصرية.

وكانت جميلة .. وجمالها يصرخ .. فتألمت لأنى رأيت هذا الجمال يخرج فى الليل وحده وسط الحرب والظلام .

ولكنى استرحت لأن المكان كان لايدخله عساكر من الإنجليز .. ولما أعتطنى وجهها .. عدت إلى الكتاب ..

وفجـأة برق أمـام نظرى شىء من الذهب .. وسمعت صوتا خشنا يقول بالإنجليزية :
ـ تشترى هذه..؟
ـ نو..
قلتها سريعا ودون تفكير فى العواقب .. درت برأسى فى المكان فوجدت جسمه الضخم قد سد على جميع المنافذ .. ووجدت جميع من فى الحانة ينظرون إلينا وكأن على رؤوسهم الطير ..

وكان هو أقرب شىء إلى الممر .. فلم يستطع إنسان أن يتحرك من مكانه .. ونظرت فوجدت بجانبه طبنجة موضوعة فى جراب .. وخنجرا كبيرا مما تراه مع البوليس الحربى ..

ولمحت وهو يعيد الساعة إلى جيبه .. ثلاثة أشرطة على ساعده .. وشيئا فى حجـم القرش كالشـارة .

وقال وهو ينحنى بكليته على المنضدة:
ـ اعطنى .. شلنا ..
ـ ليس معى نقود ..

قلتها بنفس اللهجة السابقة ونفس التوكيد .. وأحسست بعدها بهزة ، ولم تكن منه فهو لم يتحرك من مكانه .. وإنما كانت منى .. ارتجفت .. خرجت منى الكلمة كالقذيفة .. وندمت عليها .. وأسفت على حمـاقتى .. فقد كنت أستطيع أن أصرفه وأخلص حياتى بقروش قليلة وأخلص من كل المتاعب .

ولكن الإنسـان يرث بعض الطباع فى مثل هذه المواقف ويتصرف وهو واقع تحت تاثيرها .. فأنا لم أقبل التحدى .. ولا الاستكانة .. رفضتهما وإن كنت أعرف اننى سأموت حتما ..

وفكرت وأنا أرفع رأسى فى الشىء الذى سيضربنى به هذا الوحش ثم رأيت أنه لن يستعمل شيئا أكثر من أن يرفعنى بين يديه ويلقينى على الأرض .. فأنا لا أتحمل أكثر من هذه الضربة ..

وقـدرت قوته .. وكان يستطيع بسهولة أن يصرع ثورا .. وأن يطوق بذراعيه جميع الموجودين فى المشرب حتى يكتم انفاسهم .. وتحرك إلى الخلف قليلا .. ثم تقدم وكانت عيناه فى لون الدم ..

وفى تلك اللحظـة لا أدرى لم نظرت إلى الفتـاة التى كانت تأكل فرأيتها تشعل سيجارة .. وتنظر إلينا فى ابتسام .

وفى غفلة من الرجل وهو منشغل بى .. تسلل معظم الذين كانوا فى داخل البار .. وبقيت وحـدى أواجـه العاصفة .. وعندما يدرك الإنسان اليأس ويعرف أنه ميت يتصلب جسمه ويفقد الإحساس بما حوله .

وهذا ما حدث لى .. وأنا أراه يضع يده على الخنجر .. وانتظرت الضربة .. فاغلقت عينى .. ولما فتحتهما وجدت وجها أعرفه يقف بين رأسينا ..

وقالت الفتاة .. وهى تربت على ذراعه .. وتنظر إليه فى رقة :
ـ تعال .. يا جونى .. سأعطيك كل شىء ..
وكأنما صبت عليه ماء باردا .. فتركنى وتحول إليها ..

ووقفت معه على المنصة تضاحكه .. ثم مشت به إلى حافة الدرج .. ودفعته وهو ينـزل الدرجات بكل قوتها فانزلق وهوى بكل جسمه على البلاط .

وفى تلك اللحظه رأيت فى يد حسن قطعة من الحديد ، ضرب بها "كوبس " النور .. فغرقنا فى الظلام .

****

وفى اليوم التالى وجدت حانة منيرفا .. مغلقه .. والدكاكين التى بجوارها محطمة ولم أسمع لمن كان فيها خـبرا . وحزنت على حسن .. وعلى الفتاة فقد كانت الشعلة التى أضاءت ظلمـات حياتى .. وظلت الجذوة المشتعلة فى قلبى .. لم تنطفىء نارها ابدا .. وكنت أراها بوجهها الجميل وهى جالسة هناك فى وداعة .. ومن عينيها يطل الحنان والابتسام ..

****

ومرت سنوات .. والجذوة لم تتحول إلى رماد ..

وذات ليلة كنت أزور صديقا لى فى شبرا .. لأول مرة .. ولم أعرف موقع الشارع فوقفت حائرا قبل الدوران .. ثم رأيت نورا فى دكان سجاير صغير فتقدمت إليه .. ولما اقتربت من الدكان .. رأيت رجلا داخله .. وخيل إلى أنى أعرفه .. ولما دققت فيه النظر .. صدقت فراسـتى وتأكـدت أنه حسن "سـاقى" منـيرفا وسألته عن شـارع الشبراوى ..

فنظر إلىّ ولم يعرفنى .. ثم خرج من الدكان إلى الرصيف فرأيته يمشى على عكاز .

ونقر على نافذة أرضية .. ثم سأل :
ـ امينة .. فيه شارع هنا اسمه الشبراوى ..؟

وفتحت النافذة وأطل وجه ..
ـ ايوه .. تانى شارع بعد دكان عبداللطيف .. على طول .

ومدت صاحبة الصوت رأسها .. فرأتنى .

وعرفت أمينة فى الحال .. فإن شيئا لم يتغـير من وجهها .. احتفظ وجهها بجماله الآسر وكل ما فيه من فتنة .. وظل صوتها كما سمعته فى تلك الليلة .

ونظرت إلى طويلا ولما عرفتـنى .. ابتسمت ثم غابت الابتسـامة .. طواها أسى أخرس .

فقد رأت الأهوال فى رأسى مشتعلة .. وارتجفت كما ترتجف كل أنثى .. وهى ترى الشباب يذهب من وجه الرجل .. الذى تعرضت للموت من أجله ، وما هو أشنع من الموت .

وبقيت أمامها لحظات صامتا أخرس .. ورأيت الدموع تتحرك فى عينيها .. ثم سمعت بكاء طفل فى الداخل .. فتركت النافذة ودخلت .

وكنت وأنا اخطو فى الشارع الطويل الخافت الضوء أود أن اسأل الرجل .. هل فقد ساقه فى تلك الليلة المشؤومة .. أم بسبب الغارات .. واسأله عن أمينة وأعرفه بنفسى . ولكنى وجدت السؤال يشوه جمال المسألة ..

وكنت قبل كل شىء أود أن تظل الشعلة التى اشعلتها هذه المرأة كما هى .. مشتعلة .."

وفى قصة "صراع مع الشر" يقول الراوى :

"كانت الحرب دائرة بين الألمان والإنجليز فى الصحراء الغربية .. وكان الإنجليز وحلفاؤهم يفرون مذعورين كالجرزان أمام ضربات روميل القاصمة .

وأخذوا يحرقون أوراقهم فى القاهرة ويعدون العدة لنسف الكبارى والمنشآت العامة وتدمير المدن المصرية على أهلها الوادعين . كانوا ينسحبون انسحابا عاما .. ويعودون من الميدان شاعرين بمرارة الهزيمة ، فيرتكبون فى العاصمة ابشع الجرائم .

وكانوا وهم يتراجعون فى ذعر يرسلون قوافلهم عـبر الصـحراء تحمل ما تبقى لهم من الرجال والعتاد .

وخرجت سيارة من هذه السيارات من معسكر العباسية متجهة إلى الميدان وكان بها خمسة من الإنجليز وسائق العربة ، وكانت قد مرت من النفق وهى تمضى سريعا ، فلما صعدت المنحدر واستوت فى أول شارع الهرم تمهلت قليلا .
وكانت توحيـدة ورفيقتها انشراح عـائدتين الى البيت .. وكانتا تسرعان قبل الغروب وقبل ظلام الحرب .

مرت بجانبهما السيارة وبعد أن تجاوزتهما قليلا توقفت فجأة ونزل منها جندى بريطانى فى قفزة سريعة وأمسك بتوحيدة .. وهربت رفيقتها مذعورة بين المزارع وهى تولول وتصيح بأعلى صوتها .

وتجمع الناس فى الشارع ، ولكن الجنود الانجليز كانوا قد حملوا توحيدة إلى السيارة وانطلقوا بها فى سرعة المجنون .

ونظر الناس بعضهم إلى بعض وكانوا يعلمون أنه ليست هناك قوة يمكن أن تحميهم من هذا العدوان المسلح ، أو تجعلهم يقابلونه بمثله .. فاصفرت وجوههم .

أما إنشراح فقد جرت إلى منـزل توحيدة وأخبرت زوجها بما حدث فخرج يعدو كالمجنون إلى شارع الهرم .. وهناك طالعه الظلام والسكون فلم يكن هناك أثر لسيارة أو ظلها فوقف يدير عينيه حائرا كالمخبول .. ثم انطلق فى عرض الشارع وقد شرد ذهنه وشلته الفاجعة المباغته عن أى عمل .. وعندما اقترب من النفق رأى جماعة يقفون على واجهة حانوت بقال ويقصون الحادث ..

فنظر اليهم فى غيظ وقال لنفسه :
ـ هذا ما تصلحون له ايها الجبناء .. تتجمعون وتتحدثون كالنساء

وكان قد فكر فى أن يذهب إلى مركز البوليس .. ثم عدل عن هذه الفكرة وهو يقول لنفسه :
ـ وما الذى سيفعله لى البوليس ..؟
لاشىء..

وارتد عائدا إلى منـزله .. واستلقى بكامل ملابسه على السـرير دون أن يشعل النور .. وقد رأى أن يترك البيت كله فى الظلام حتى لا يزعجه المتطفلون والمواسون باسئلتهم السخيفة .. فيزيدونه تعاسة على تعاسته ..

وقبل منتصف الليل سمع الباب الخارجى يفتح .. ولم يتحرك من مكانه ولم يبادلها كلمة ..

وكانت قد اشعـلت نور الردهـة ثم ارتمت على كنبـة ملاصقة للباب . ولو لم تكن الكنبة فى مكانها لارتمت على الأرض ، فقد كانت فى حالة من الإعياء التام .. وكان وجهها مصفرا وشعرها منفوشا وملابســها ممزقة فى أكثر من موضع من جسمها .

وكان من يراها وهى متكورة على الكنبة وقد دفنت رأسها فى الوسادة وقوست ظهرها ووضعت ساقيها تحت فخذيها وتركت ضفائر شعرها محلولة تغطى عنقها وتمتد إلى ظهرها يتصور انها ضربت عارية بالسياط حتى أدمت وحتى تقطعت أنفاسها .....

وبقيت فى مكانها الى الصباح .. ومع خيوط الشـمس تحركت ودخلت غرفته .. وكان لايزال على حاله منطرحا بكامل ملابسه على السرير ..... وكان وجهه محتنقا وعيناه حمراوين فى لون الدم .. والدم ينفر من عروق جبهته ، وسحنته سحنة ذئب أغبر حيل بينه وبين فريسته .....

وأغمض عينيه حتى لايراها .. ورأت وجهه يتقلص على صدره .. وغيرت ملابسها الممزقه وخرجت ..... وانتابتها نوبة صرع .. وأخذت تنشج وتتمتم بكلام لا معنى له .. كانت تود أن تقول له أن أحدا لم يمسها وانها قاومتهم وأعملت فيهم أظافرها وأسنانها ولما يئسوا منها ألقوها فى العراء ..

كانت تود أن تقول له هذا .. ولكنها لم تستطع ..

ولم يدر بماذا تتمتم .. ولم يسمع شيئا .. كانت نار مشتعلة فى جسمه .. وكان لهب أحمر يشتعل هناك فى رأسه .. وثورة عاتية قد اجتاحته ..

كان لايفكر فيها .. ولا يحس بوجودها ، وانما يفكر فى هؤلاء الأنذال الذين دنسوا شرفه ويتصور ما حدث على بشاعته .. يتصورهم وهم يضعون أيديهم الدنسة على جسمها ويقضقض ويصر بأسنانه من الغيظ ويود أن يحطم كل ما حوله تحطيما .....

وفى الليلة التالية خرج سعيد فى فحمة الليل .. وكمن فى طريق السيارات الإنجليزية الذاهبة إلى الميدان ، ورأى سيارة تخفف من سرعتها ورأى على ظهرها ثلاثة أو أربعة جنود ، واقترب كالثعلب حتى احتمى فى جذع شجرة وأطلق الرصاص وسمع صرخة مفزعة .. ثم أخذ يعدو بكل قوته .. وكانت النيران الحامية تطلق فى أثره ....."

ويحكى الراوى قصة جندى فى حرب 1956 اقترب سنه من الاربعين وأعجب لحماسته ولهفته على القتال لأنه يريد أن يكون أول رجل يلقاهم وأول من يطلق عليـهم النـار ، لأنه يرفض أن يجيـئوا مرة اخـرى وينتهكون الأعراض ويقتلون الأطفال ويحجبون النور عن الأرض ، ويقلبون المدينة البـاسلة إلى مواخـير .

ويقول الجنـدى للراوى وهو يحكى عن زوجته :

" كانت وديعة وجميلة .. لم يكن فى النساء من هو أجمل وأنضر منها .. وكنت أقيم معها فى شقة صغيرة من دور أرضى على طريق السيارات فى قلب القاهرة .

وكان الانجليز وحلفاؤهم يخرجون من الحانات ويدورون فى هذه المنطقة سكارى معربدين .. وكانت الحرب بينهم وبين الألمان على أشدها .. وكانوا فى تلك اللحظة منهزمين .. ويفرون مذعـورين الى القاهرة يســـكرون ويروعون السكان الوادعين .. وكنا نعرف ندالتهم ولا نخرج من البيوت بعد الغروب .

وشاء القدر أن يلمحوا زوجتى ذات ليلة من النافذة .. وكانت وحدها .. فوثب ثلاثة منهم إلى الشــقة .. وكانوا يتصورون أنها سترضى .. ولما قاومتهم مزقوا جسدها .. وولوا هاربين فى الظلام.."

وفى قصة "البرج"

يحكى الراوى قصـة ساكن فى الدور الأرضى فى عمارة بالإسكندرية يعيش وحيدا ولا يراه إلا لماما ويقول الناس إن زوجته هجرته لما اشتعلت الحرب ، واشتغلت راقصة فى القـاهرة وعشقها أحد الضباط الإنجليز وأصبحت محظيته .

" وكان الرجل فى حوالى الثلاثين من عمره ، قويا طويل العود ، ولكن أثر حادث هرب زوجته على عقـله فأصابته لوثة من كثرةكلام الناس عن زوجته وتقريعهم ، وكان الصبـيان يتضاحكون عليه ، فكان يثور عليهم ويحاول ضربهم ثم يهدأ سريعا ، وأصبح يبتعد عنهم ويعيش فى عزلة تامة ولا يأتى البيت إلا اذا خيم الظلام .

وتقول نهاية القصة " وقبـل أن أقترب من البيت أحسست بحركة غير مألوفة فى الحى الهادىء . ولما اقتربت أكثر وجدت شيئا أفزعنى .. وجدت نطاقا من الجند مضروبا حول الشارع ، وعساكر من البوليس المصرى والبوليس الحربى الإنجليزى ، وعلـمت أنهم وجدوا عسكريا إنجليزيا مقتولا وموضوعا فى برج الحمام ..... وكان الهمس يدور بأن "سليم" الساكن فى الدور الأرضى هو الذى قتله ، وهرب سليم ، لم يعثروا له على أثر".

وكل شىء يتغير فى زمن الحرب ، والحضـارة تتحطم والقيم الأخلاقية تنهار . وقد أورد الراوى وحكى عن:

صاحب فندق أجنبى كان بارع الحيـلة فى الحصول على المال بكل الوسائل ، وكان فنـدقه فى فترة الحرب ماخورا لجنود الحلفاء ، وكان يود أن تظل الحرب دائرة إلى أبد الآبدين بصرف النظر عن ضحاياها ومآسيها وويلاتها.

وعلى العكس من ذلك نجد العزاء والسـلوى فى بعض النفوس الحية التى لم تغير طريقتها فى الحياة ، ولو ساروا مع عجلة الحرب وانغمسوا فى دوامتها لعاد عليهم المال من غير حساب :

كالرجل اليونانى صاحب حانة فى شارع شريف ، عندما جاءت الحـرب بأعاصيرها وقاذوراتها وقـف فى وجهها ، فلم يبع الخمر المغشوشة ، ولم يسرق ، ولم يقدم رشوة لأحد ، ولم يسمح لجندى واحد من جنود الحـلفاء بأن يدخـل البار ، كتب بالخط العريض " ممنــوع " وقد حرمته هذه اللافتة من كل الميزات وكل الخيرات ، ولكنه كان راضيا وسعيدا .

وصاحب حانة آخر لم يكن يبيع الخمور المغشوشة أو يقدم الماء الملون بدل الويسكى أو يفعل أى شىء ضد الحلفاء ، ومع ذلك اعتقل واغلق البار ، لأنه متجنس بالجنسية الإيطالية .

وصاحب محل حقائب فى شارع إبراهيم ، كان لايغالى فى الأسعار رغم ظروف الحرب وبضاعته جيدة واعتقل لأنه ايطالى .

وتحمل الناس الظلام والغارات والجوع ، لأن الفرحة الكبرى لتحرير الوطن والتخلص من شرهم ، آتية لا ريب فيها ، ولذلك كانوا يصفقون للألمان ، لا حبا فيهم ، ولكن ليخلصوهم من الانجليز .

وفزعت الشركات الكبرى وبيوت المال الموجودة فى القاهرة ، وأخذ الأثرياء والذين ارتموا فى احضان الانجليز يعدون العدة للهرب الى السودان.

وكانت الغارات متصلة فى النهار والليل والحرب أصبحت على خطوات من القاهرة .

وخيم الهدوء على جبهة القتال فى العلمين وتوقفت الحرب وعاد الناس الذين ذهبوا إلى الريف أثناء القتال إلى بيوتهم .

ويقول الراوى فى قصة " المهاجر"

" فى الحرب العالمية الثانية كنت صغيرا وأسكن فى شقة صغيرة فى المنيل قريبة من النيل .. وقريبة أيضا من السماء ، وكنت أرى منها مآذن القلعة ومساجد القاهرة وقبابها وأبراج الكنائس .. كلها مضاءة وشامخة وصامدة فى وجه العدو . وكانت الطائرات تروح وتجىء وتلقى قنابلها .. ولكن المساجد والكنائس والقباب ظلت شامخة وصامدة ولم يصبها السوء قط ".

وفى قصة " الورقة " عندما دوت صفارة الانذار ، وكان الراوى قريبا من ورشة تجليد فى بدروم ، أسرع إلى هناك فى الظلام ، ودار حوار بينه وبين صاحب الورشة :

ـ إن الحرب جعلتنى أفكر فى الكتب .. وفى صنعتى .. فمنذ ستين سنة وأنا أقلب الكتب فى يدى وألمسها برفق وأسويها وأمسح عليها بحنان .. حتى أصبحت قطعة من لحمى .. إننى أرى بين سطورها النور الذى يبدد كل ظلام يعم البشرية ، ولكنها لم تستطع فى وقت ما أن تمنع الحروب .. وهذا يحزننى .

ـ لأن الحـرب ظاهرة طبيعـية .. لابد أن تقع كما تقع الزلازل والبراكين .. لابد أن تقع ما دام الإنسان موجودا على الأرض .."

آثار الحرب العالمية الثانية على مدينة الإسكندرية

الإسكندرية

كانت الحركة فى الإسكندرية عادية جدا رغم قيود الاضاءة المفروضة ، والناس فى حركة دائبة والسكان يخرجون إلى دور السينما والملاهى المتناثرة على طول الكورنيش ، أو إلى المقاهى يستمعون فيها إلى اخبار الحرب ، ولا يغير من وجهها الضاحك سوى وجود الجنود الإنجليز والأمريكان بكثرة فى الشوارع ، وكان منظرهم فى ملابسـهم الرسمية وما يحدثونه دائما من ضوضاء وجلبة فى غدوهم ورواحهم ، يثير السخط فى نفوس الأهالى وينظرون إليهم بعين الكراهية .

وكانت الملاهى ممتلئة بالجنود الإنجليز والسكارى ، وفى ليالى الآحاد يكثر البحارة فى الحانات القائمة على جانبى شارع "البير" ويكثر مع وجودهم عراكهم وصخبهم ، وكانوا فى حالة فزع من الألمان ورعب مزق أعصابهم .

وفى الشوارع الضيقة المعتمة تلمح بعضهم سكارى يغنون وهم يترنحون ، وقد تنشب معارك رهيبة بينهم وبين الأهالى ، كما حدث فى شارع "البير" ، وأطلق فيها النار ، وكاد فيها أن يقبض على الراوى لولا أنه هرب واختفى فى أحد المساكن المجاورة لمكان الحادث واختفى عن الأنظار .

وكان معظم سكان العمارات الضخمة على الكورنيش من الجنود الإنجليز ، وترى فى الليل بعضهم يترنحون فى الشوارع من السكر أو فى صحبة من يقودهم إلى حيث النساء الساقطات .

وكان وجود فصائل من الجنود الإنجليز فى "أبى قير" يجعلهم دائما من ركاب القطارات الذاهبة إلى المدينة والراجعة منها .

وكانت قوافل سياراتهم تتحرك دوما فى الشوارع الرئيسية وهى حاجبة أنوارها والدبابات تتدحرج بعيون عمياء .

وكانت قطع من الأسطول البريطانى راسية فى مياه الإسكندرية فى عرض البحر ، ولكنها كانت لاترى بالعين المجردة ، كانت مختفية عن الأنظار .

وعندما دوت صفارة الانذار ، كانت بعض المجندات داخل السينما فى شارع شريف ، فتوقف العرض وظهر على وجوههن الاضطراب والخوف ، وتلقين من بعض الجنود اشارة فنهضن وخرجن متسللات ، وكانت هناك عربات مغلقة تجمعهن فى الشوارع .

واستيقظ الأهالى على صوت صفارة الإنذار ودوى المدافع وهى تصك الآذان والسماء تتأجج بنار الجحيم والأنوار الكاشفة تدور ألسنتها باحثة عن الطريدة . ثم تكف عن طلقاتها وتبلع الأنوار الكاشفة السنتها ويخيم صمت رهيب .

ثم تسمع أزيزا متقطعا ، وفى مثل خطف البرق تعود السماء تتأجج بالنيران ، وصوت القنابل وهى تدك الأرض ، ويتصاعد الصياح من كل جانب مع صوت النوافذ وهى تغلق ، ويخيل اليك أن المنازل المجاورة أخذت تنهار على من فيها ، وأن الجحيم فتحت أبوابها ، وكل شىء يميد ويلتهب فى السماء والأرض .

ضرب الألمان منطقة البحر ضربا شديدا ليغرقوا الاسطول الانجليزى ، وأصابت القنابل العمـارات فى شـارع الكورنيش فهوت وطارت بعض شرفاتها وتناثر زجاج نوافذها وأصابت الأهالى .

وخيم الهدوء على جبهة القتال ، وانتهت الحرب ورحل الجنود عن المدينة ، وتنفس الناس الصعداء.

آثار الحرب العالمية الثانية على مدينة الإسكندرية

الإسكندرية

كانت الحركة فى الإسكندرية عادية جدا رغم قيود الاضاءة المفروضة ، والناس فى حركة دائبة والسكان يخرجون إلى دور السينما والملاهى المتناثرة على طول الكورنيش ، أو إلى المقاهى يستمعون فيها إلى اخبار الحرب ، ولا يغير من وجهها الضاحك سوى وجود الجنود الإنجليز والأمريكان بكثرة فى الشوارع ، وكان منظرهم فى ملابسـهم الرسمية وما يحدثونه دائما من ضوضاء وجلبة فى غدوهم ورواحهم ، يثير السخط فى نفوس الأهالى وينظرون إليهم بعين الكراهية .

وكانت الملاهى ممتلئة بالجنود الإنجليز والسكارى ، وفى ليالى الآحاد يكثر البحارة فى الحانات القائمة على جانبى شارع "البير" ويكثر مع وجودهم عراكهم وصخبهم ، وكانوا فى حالة فزع من الألمان ورعب مزق أعصابهم .

وفى الشوارع الضيقة المعتمة تلمح بعضهم سكارى يغنون وهم يترنحون ، وقد تنشب معارك رهيبة بينهم وبين الأهالى ، كما حدث فى شارع "البير" ، وأطلق فيها النار ، وكاد فيها أن يقبض على الراوى لولا أنه هرب واختفى فى أحد المساكن المجاورة لمكان الحادث واختفى عن الأنظار .

وكان معظم سكان العمارات الضخمة على الكورنيش من الجنود الإنجليز ، وترى فى الليل بعضهم يترنحون فى الشوارع من السكر أو فى صحبة من يقودهم إلى حيث النساء الساقطات .

وكان وجود فصائل من الجنود الإنجليز فى "أبى قير" يجعلهم دائما من ركاب القطارات الذاهبة إلى المدينة والراجعة منها .

وكانت قوافل سياراتهم تتحرك دوما فى الشوارع الرئيسية وهى حاجبة أنوارها والدبابات تتدحرج بعيون عمياء .

وكانت قطع من الأسطول البريطانى راسية فى مياه الإسكندرية فى عرض البحر ، ولكنها كانت لاترى بالعين المجردة ، كانت مختفية عن الأنظار .

وعندما دوت صفارة الانذار ، كانت بعض المجندات داخل السينما فى شارع شريف ، فتوقف العرض وظهر على وجوههن الاضطراب والخوف ، وتلقين من بعض الجنود اشارة فنهضن وخرجن متسللات ، وكانت هناك عربات مغلقة تجمعهن فى الشوارع .

واستيقظ الأهالى على صوت صفارة الإنذار ودوى المدافع وهى تصك الآذان والسماء تتأجج بنار الجحيم والأنوار الكاشفة تدور ألسنتها باحثة عن الطريدة . ثم تكف عن طلقاتها وتبلع الأنوار الكاشفة السنتها ويخيم صمت رهيب .

ثم تسمع أزيزا متقطعا ، وفى مثل خطف البرق تعود السماء تتأجج بالنيران ، وصوت القنابل وهى تدك الأرض ، ويتصاعد الصياح من كل جانب مع صوت النوافذ وهى تغلق ، ويخيل اليك أن المنازل المجاورة أخذت تنهار على من فيها ، وأن الجحيم فتحت أبوابها ، وكل شىء يميد ويلتهب فى السماء والأرض .

ضرب الألمان منطقة البحر ضربا شديدا ليغرقوا الاسطول الانجليزى ، وأصابت القنابل العمـارات فى شـارع الكورنيش فهوت وطارت بعض شرفاتها وتناثر زجاج نوافذها وأصابت الأهالى .

وخيم الهدوء على جبهة القتال ، وانتهت الحرب ورحل الجنود عن المدينة ، وتنفس الناس الصعداء.

آثار الحرب العالية الثانية على مدينة بور توفيق

بور توفيق

كانت الحرب دائرة على أشدها ، وهزائم الإنجليز تتوالى فى كل مكان ، وجنودهم فى الموانى المصرية مذعورين ، فيصخبون ويعربدون ، وكلما توالت هزائمهم اشتد ضجيجهم وصخبهم وهم يمرحون فى المدينة ، وكان معظم ساكنيها من الفرنجة .

وكان العمل فى شركات التأمين البحرى يسير منتظما وسريعا ، ولكن الإيراد قل بسبب الحرب ، والمراكب تحولت عن القناة ودارت حول رأس الرجاء الصالح .

وانطلقت فتيات من الفرنجة مع هؤلاء الجنود ، وكان كل شىء يدور فى طاحونة مادية .

وكان الناس يعيشون بحسهم ، ويلمسون أوراق البنكنوت بأيديهم وهم يحسبونها كل شىء فى الحياة .

وكان الظلام يلف المدينة فى وشاحه الأسود والهدوء يخيم عليها فى النهار .

وكل شىء يدل على أن هذه الحرب ستطول ، وأن هذه المجزرة البشرية ستنتهى على أبشع صورة ، وكان المصريون يتمنون هزيمتهم على ابشع صورة ، لأنهم يمثلون الظلم والاستعباد والفساد بكل صوره البشعة .

قصة صراع مع الشر

صراع مع الشـر

قصة محمود البدوى



كانت الحرب دائرة بين الألمان والإنجليز فى الصحراء الغربية .. وكان الإنجليز وحلفاؤهم يفرون مذعورين كالجرزان أمام ضربات روميل القاصمة .

وأخذوا يحرقون أوراقهم فى القاهرة ويعدون العدة لنسف الكبارى والمنشآت العامة وتدمير المدن المصرية على أهلها الوادعين .. كانوا ينسحبون انسحابا عاما .. ويعودون من الميدان شاعرين بمرارة الهزيمة ، فيرتكبون فى العاصمة ابشع الجرائم .

وكانوا وهم يتراجعون فى ذعر يرسلون قوافلهم عـبر الصـحراء تحمل ما تبقى لهم من الرجال والعتاد .

وخرجت سيارة من هذه السيارات من معسكر العباسية متجهة إلى الميدان وكان بها خمسة من الإنجليز وسائق العربة ، وكانت قد مرت من النفق وهى تمضى سريعا ، فلما صعدت المنحدر واستوت فى أول شارع الهرم تمهلت قليلا .

وكانت توحيـدة ورفيقتها انشراح عـائدتين الى البيت .. وكانتا تسرعان قبل الغروب وقبل ظلام الحرب .

مرت بجانبهما السيارة وبعد أن تجاوزتهما قليلا توقفت فجأة ونزل منها جندى بريطانى فى قفزة سريعة وأمسك بتوحيدة .. وهربت رفيقتها مذعورة بين المزارع وهى تولول وتصيح بأعلى صوتها .

وتجمع الناس فى الشارع ، ولكن الجنود الانجليز كانوا قد حملوا توحيدة إلى السيارة وانطلقوا بها فى سرعة المجنون .

ونظر الناس بعضهم إلى بعض وكانوا يعلمون أنه ليست هناك قوة يمكن أن تحميهم من هذا العدوان المسلح ، أو تجعلهم يقابلونه بمثله .. فاصفرت وجوههم .

أما إنشراح فقد جرت إلى منـزل توحيدة وأخبرت زوجها بما حدث فخرج يعدو كالمجنون إلى شارع الهرم .. وهناك طالعه الظلام والسكون فلم يكن هناك أثر لسيارة أو ظلها فوقف يدير عينيه حائرا كالمخبول .. ثم انطلق فى عرض الشارع وقد شرد ذهنه وشلته الفاجعة المباغته عن أى عمل .. وعندما اقترب من النفق رأى جماعة يقفون على واجهة حانوت بقال ويقصون الحادث .. فنظر اليهم فى غيظ

وقال لنفسه :
ـ هذا ما تصلحون له ايها الجبناء .. تتجمعون وتتحدثون كالنساء ..

وكان قد فكر فى أن يذهب إلى مركز البوليس .. ثم عدل عن هذه الفكرة وهو يقول لنفسه :
ـ وما الذى سيفعله لى البوليس .. ؟
لاشىء ..

***

وارتد عائدا إلى منـزله .. واستلقى بكامل ملابسه على السـرير دون أن يشعل النور .. وقد رأى أن يترك البيت كله فى الظلام حتى لا يزعجه المتطفلون والمواسون باسئلتهم السخيفة .. فيزيدونه تعاسة على تعاسه ..

وكان يدخن والظلام على أشده ونافذة الغرفة مفتوحة .. وألسنة الأنوار الكاشفة تضىء السماء .. ولم يكن فى البيت أحد سواه .. وكان قد تزوج توحيدة منذ خمسة شهور فقط ..

كانت فقيرة مثله .. ولكنه كان سعيدا بفقرها .. وكان يحبها حبا جما .. كانت كل شىء له فى الحياة .. وكل أمانيه وكل أحلامه .. واستقرت آماله كلها عليها وتجمعت فيها ..

وكان يعمل فى شركة من شركات الدخان الكبيرة فى منطقة الجيزة .. ولذلك أجر لها هذا المسكن قريبا من الشركة .. ليخرج من عمله طائرا إليها مرتميا فى أحضانها .. فقد كانت تنسيه همومه ومتاعبه ومشاغل النهار كله وما يلقاه فى الحياة والمصنع من عنت واجهاد ..

وكان يحمل إليها كل شىء بنفسه من السوق حتى لاتخرج من البيت فقد كانت جميلة باسمة كورد الربيع ..

وكان يغار عليها حتى من شعاع الشمس الساقط على وجهها ..

ولكنها خرجت اليوم هى وجارتها انشراح لزيارة أمها وذهبت من غير رجعة .. اختطفها الأنذال ..

***

وقبل منتصف الليل سمع الباب الخارجى يفتح .. ودخلت توحيدة .. ولم يتحرك من مكانه ولم يبادلها كلمة ..

وكانت قد اشعـلت نور الردهـة ثم ارتمت على كنبـة ملاصقة للباب .. ولو لم تكن الكنبة مكانها لارتمت على الأرض ، فقد كانت فى حالة من الإعياء التام .. وكان وجهها مصفرا وشعرها منفوشا وملابســها ممزقة فى أكثر من موضع من جسمها .

وكان من يراها وهى متكورة على الكنبة وقد دفنت رأسها فى الوسادة وقوست ظهرها ووضعت ساقيها تحت فخذيها وتركت ضفائر شعرها محلولة تغطى عنقها وتمتد إلى ظهرها يتصور انها ضربت عارية بالسياط حتى أدمت وحتى تقطعت أنفاسها .

وكانت قد أدركت بحسها بعد أن دخلت وألقت بنفسها على الكنبة .. أن زوجها سعيد راقد هناك فى الغرفة الأخرى متيقظ .. وقلق .. وتنهش رأسه الخواطر المروعة التى دمرته تدميرا .. وشلت جسمه ومنعته من الحركة ..

وبقيت فى مكانها الى الصباح .. ومع خيوط الشـمس تحركت ودخلت غرفته .. وكان لايزال على حاله منطرحا بكامل ملابسه على السرير .. وأعقاب السجائر ملقاة فى كل مكان من الغرفة .. وكان وجهه محتنقا وعيناه حمراوين فى لون الدم .. والدم ينفر من عروق جبهته ، وسحنته سحنة ذئب أغبر حيل بينه وبين فريسته ..

وقالت له بصوت خافت وهى تتناول قميصا لها من فوق المشجب :
ـ مش رايح الشغل يا سعيد ..؟
فلم يرد عليها وأغمض عينيه حتى لايراها .. ورأت وجهه يتقلص على صدره .. وغيرت ملابسها الممزقه وخرجت إلى المطبخ وأعدت له فنجان الشاى الذى تعده له كل صباح ووضعته بجانبه .. وخرجت .. وبعد قليل عادت فوجدت الفنجان لم يمس .. فلم تقل شيئا ..

وانتابتها نوبة صرع .. وأخذت تنشج وتتمتم بكلام لا معنى له .. كانت تود أن تقول له أن أحدا لم يمسها وأنها قاومتهم وأعملت فيهم أظافرها وأسنانها ولما يئسوا منها ألقوها فى العراء ..

كانت تود أن تقول له هذا .. ولكنها لم تستطع ..

ولم يدر بماذا تتمتم .. ولم يسمع شيئا .. كانت نار مشتعلة فى جسمه .. وكان لهب أحمر يشتعل هناك فى رأسه .. وثورة عاتية قد اجتاحته ..

كان لايفكر فيها ولا يحس بوجودها .. وانما يفكر فى هؤلاء الأنذال الذين دنسوا شرفه ويتصور ما حدث كله على بشاعته .. يتصورهم وهم يضعون أيديهم الدنسة على جسمها ويقضقض ويصر بأسنانه من الغيظ ويود أن يحطم كل ما حوله تحطيما ..

ورآها تخرج ملابسها من الدولاب وتضعها فى حقيبتها .. ثم سمعها تقول :
ـ أنا ماشية يا سعيد ..
ولم يقل لها كلمة .. ولم يتحرك من سريره وسمعها تفتح الباب وتخرج ..

***

وفى الليلة التالية خرج سعيد فى فحمة الليل .. وكمن فى طريق السيارات الإنجليزية الذاهبة إلى الميدان ، ورأى سيارة تخفف من سرعتها ورأى على ظهرها ثلاثة أو أربعة جنود ، واقترب كالثعلب حتى احتمى فى جذع شجرة وأطلق الرصاص وسمع صرخة مفزعة .. ثم أخذ يعدو بكل قوته ..

وكانت النيران الحامية تطلق فى أثره .. والأنوار الكاشفة تسلط عليه .. وأصيب فى فخذه ومع ذلك ظل يجرى حتى بلغ منزله.

وكانت ملابسه قد تلطخت بالدم النازف من جرحه .. وبلغ منه الاعياء مبلغه ومع ذلك شعر براحة نفسية وبفرحة كبرى لأنه انتقم لعرضه وشعر بحنين إلى زوجته وود لها لو أنها كانت معه الآن ليعانقها ..

وكانت أعصابه قد هدأت وشعر بحنين إلى النوم .. فنام .. واستيقظ فجأة على حركة شديدة على السلم وتسمع وعرف أنهم تقصوا أثره وعرفوا مكانه ..

واشتد قرع الباب وسمع صياحا بالعربية والإنجليزية وحركة نعال ضخمة تهز الباب .. وأمسك مسدسه وأطلق على نفسه الرصاصة الأخيرة ..

***

وعنــدما حطمــوا البـاب وجــدوه هنـاك ملطخــا بالـدم .. وعلى فمــه ابتســامة النصـــر..
===========================
نشرت القصة بمجموعة " العذراء والليل " لمحمود البدوى 1956

قصة الشعلة

الشــــعـلة

قصة محمود البدوى

تقع حانة منيرفا فى الشارع الرئيسى فى حى الملاهى والحانات .. ولكنها لم تكن من طرازها .. كانت مستطيلة وهادئة ، ولها ساحة رحبة ، وشرفة تطل على الطريق .

وكان أكثر المترددين عليها من الأشخاص الذين يتناولون وجبات الطعام فى الخارج .. فقد كانت مشهورة بالكفتة الرومانى والمكرونة الإيطالى ، وأصناف المشويات الشهية .. وكان صاحبها يديرها برأس الفنان وعقله .

وكنت أذهب إليها كل مساء لأتعشى وأشرب القهوة الجيدة وأكتب تحت ضوء مصباحها وأقرأ .. وأشاهد الحياة تجرى أمامى من شرفتها الواسعة ..

وكنت مذ قدمت من الريف أحس بالفراغ وأشعر بالنقص .. لأنى أصبحت بصورة لاتقبل الشك أعيش على هامش الحياة .. وأكتفى بالعمل الروتينى الممل فى الصباح .. دون أن أحرك مشاعرى أو أن أتقدم خطوة ..

وبعد الحياة الأصيلة وسط الفلاحين فى عزبهم وكفورهم .. وبعد مشاركتهم فى الطعام والشراب .. والعمل الشاق فى الأرض .. وبعد مخالطة الأخيار والأشرار منهم والغوص فى الأعماق .. جئت إلى هنا لأنظر إلى الحياة فى المدينة من وراء زجاج ..

أصبحت لا أرضى عن هذه الحياة ..

وكنت بحكم طباعى الريفية المتأصلة أنفر من أهل المدن ولا أستطيب صحبتهم .. ثم أخذت أحاول أن أرفع هذا الحاجز .. بالتدريج ..

وكما يحدث لكل إنسان يتردد على مكان معين .. فإنى قد وجدت نفسى بعد أسبوع أعرف كل الوجوه التى تتردد على المشرب .

كنت أجد على " البار " رجلا ضخما عظيم الكرش .. كان السيد " عبد الغفار " يدخل فى الساعة العاشرة تماما .. ويجلس إلى الرخامة العالية .. وأمامه كؤوس الشراب .. ولم يكن يأكل أبدا .. كان يشرب فقط .. ويشرب بشراهة .. يشرب إلى درجة تفوق كل مدارك الاحصاء .. خيل إلىّ أنه يشرب فى الليلة الواحدة .. " دنا " ممتلىء الحافة .. ولم يكن معه رفاق .. كان يأتى ليسكر وحده ..

وقبل منتصف الليل بقليل كان يحصى الموجودين بعينيه ويطلب لهم الشراب .. ولما يجدنى لا أشرب يقول للساقى :
ـ حسن لماذا نسيت السيد ..؟
وتلفت إليه أقول شاكرا :
ـ أرجو اعفائى .. اننى لا أشرب ..

ويحدق فى وجهى بقوة :
ـ ولماذا تجلس هنا .. اذن ..؟
ـ لأن المكان جميل .. ويريح أعصابى ..
ـ انك كالذى يصلى طول النهار .. ويذهب فى الليل إلى وجه البركة .. !

وأعجبت النكتة بعض الحاضرين فضحكوا وضحكت معهم ..
وقال باصرار :
ـ لابد أن تشرب شيئا .. ولو زجاجة صودا ..

وتحت الحاحه الشديد طلبت من حسن " شوبا " من البيرة .. وأبقيته أمامى ممتلئا إلى النصف .. حتى يعفينى من غيره ..

وبعد نصف الليل يطلب عبد الغفار من حسن أن يحضر له عربة يركبها وهو لايكاد يتماسك .. ويضع فى يد حسن كل ما بقى معه من فكة ..

وبعد ربع ساعة من خروجه أحمل كتبى .. ويأخذ حسن فى اغلاق الأبواب .. وكنت أتخذ طريقى إلى بيتى فى الحلمية الجديدة ماشيا على الأقدام .. وكانت تلك الجولة الليلية تطيب لى لأنها رياضة عضلية للجسم المحبوس بين أربعة جدران .. ولأنى كنت أستطيع أن أتبين جمال القاهرة بعد أن تنقطع الرجل .. تبدو العمارات والشوارع تحت الأضواء الساكنة أمتع ما تقع عليه العين .

وحدث وأنا أمضى متمهلا وكنت قد تخطيت ميدان الأزهار .. وانحرفت فى شارع الفلكى .. أن رأيت رجلا يمشى أمامى فى تثاقل .. وكان شكله مألوفا لدى .. ولما اقتربت منه وجدته " عبد الغفار " .

وكان قد استفاق من نصف سكره .. وقال لى أنه يسكن فى عمارة للأوقاف فى هذه المنطقة وأنه خلفها وراءه .. لأنه لم يشعر بالنوم .. بعد أن نزل من العربة .. طارت الخمر من رأسه .. فرأى أن يتجول لأنه يكره البيوت .. وشعرت بثقل الوحدة على نفسه المسكينة ..

وقال لى أنه مقطوع من شجرة ، وأنه بعد سنوات من الكفاح فى سبيل العيش وجد نفسه يعيش بغير أمل أو غاية مرجوة .. وقد جره اليأس إلى السكر .. وهو الآن يشرب ليموت .. لأنه لم يعد يستعذب الحياة .

ولم أشأ أن أسأله لماذا لم يتزوج ولماذا يعيش فى جفاف عيشة مظلمة .

لأن حياتى كانت جافة ومظلمة مثله ، ولأنى كنت لا أحب أن أسمع المواعظ ولا أحب أن ألقيها على الناس .. وتركت الرجل قبل أن أبلغ محطة حلوان .

***
وفى خلال هذا الركود والملل والفراغ الذى كنا نحس به ونعيش فيه .. اشتعلت نيران الحرب فجأة .. وتطورت الأحوال بسرعة عجيبة وأخذ " روميل " يزحف فى الصحراء متجها إلى الإسكندرية .. وامتلأت مدينة القاهرة بجيوش الإنجليز وحلفائهم وأخذوا يعربدون ويسكرون فى حاناتها ..

ولكن الخواجه " إيناس " منعهم من دخول " منيرفا " .. كان يود أن يحتفظ بعملائه القلائل .. وبهدوء ونظافة المحل .

وجعلنى هذا أكثر حبا للمكان فلم أنقطع عنه أبدا ..

وفى الوقت الذى كان فيه جنود الحلفاء السكارى .. يحطمون الحانات والملاهى .. ويشتبكون فى عراك دموى مع السكان الآمنين فى قلب العاصمة .. كنا نحن الجالسين فى " منيرفا " نشعر بالهدوء المطلق .. وكانت كل القرائن تدل على أن هذه المجزرة البشرية ستنتهى بسحق الإنجليز واندحارهم .. كانوا يولون الدبر .. فى كل ميدان .

ولهذا تحمل الناس الظلام والغارات .. والجوع .. لأن الفرحة الكبرى لتحرير الوطن والتخلص من شرهم .. أتية لا ريب فيها ..

***

ولم تكن حانة " منيرفا " بالمكان الذى يجلس فيه النساء . ولكن يحدث فى بعض الحالات أن تأتى سيدة مع رفقة لها .. أو تجلس وحيدة لتتعشى أو تشم النسيم .

وكنا نحس بوجودنا .. ونشعر بالحيوية كلما دخلت فتاة .. وكان صحن الحانة متسعا وعلى الجانب الأيمن منصة .. كأنها خشبة مسرح قديم .. كانت ترتفع عن أرض الحانة بثلاث درجات ..

وفى هذا المكان المرتفع كنت أجلس .. وأشعر بالراحة .

***

وسمعت ضحكات " عبد الغفار " ذات ليلة وهو يتجه إلى الباب ، وكان خارجا قبل ميعاده ..
وقال لحسن :
ـ بلاش عربية الليلة عاوز أتمشى .
ـ وكانت الليلة شديدة الحرارة ، والساعة لاتعدو العاشرة ، فرأيت أن أذهب إلى سينما صيفية فى شارع عماد الدين .

وخرجت بعد الساعة الواحدة صباحا .. وسرت فى شارع محمد فريد .. وقبل أن أعبر شارع الساحة .. رأيت نفرا من الناس متجمعين على عتبة بيت فى الشارع .. ويتحدثون بصوت عال ، فنظرت فرأيتهم يحيطون برجل جالس على العتبة ، وهو فى حالة اعياء تام ..

وعرفت الرجل فقد كان " عبد الغفار " ..
وقبل أن أقترب منه .. سمعت من يقول :
ـ الأفندى مات ..
فارتعشت ..
ـ مات من السكر ..
ـ وفين العسكرى ..
ـ جاى ..
ـ طيب يا ناس غطوه بحاجة ..
ـ حرام ..

وقلت للناس انى أعرف الرجل وأعرف بيته .. وبحثنا عن تاكسى . ومر تاكسى نزل منه حسن ، وكان بعض الناس قد أخبره بما حدث ، فجاء على عجل .

وحمل الرجل وذهب به سريعا ..

وعلمت فى مساء اليوم التالى أنه تكفل بمصاريف الدفن .. ولما أخرجت له مبلغا من جيبى لأعاونه فى هذه المصاريف ..

قال لى وهو يبتسم :
ـ مش ممكن .. أنت فاكر .. أنا دفعت له حاجة من جيبى دى فلوسه ..
وهكذا بدا مثالا نادرا فى الوفاء ..
وحزنا على موت الرجل .. فقد كان يشيع البهجة فى المكان ..

***

وفى الساعة التاسعة من مساء اليوم التالى .. دخلت سيدة شابة الحانة .. وجلست إلى مائدة صغيرة .. وكانت جميلة وحسنها يهز المشاعر .. وشعرت بالأسى لأنها اختارت هذا المكان لتجلس فيه وهو ليس أكثر من " بار " .
وشعرت بالألم لأن شكلها لا يدل على انها تتردد على هذه الأمكنـة العـامة .

وطلبت طبقا من المكرونة وأخذت تأكل ..

وبعد أن أكلت وضعت الشوكة والسكينة فى الصحن .. ونظرت إلىّ قليلا فتـأكـدت من هذه النظرة انها مصرية.

وكانت جميلة .. وجمالها يصرخ .. فتألمت لأنى رأيت هذا الجمال يخرج فى الليل وحده وسط الحرب والظلام ..

ولكنى اسـترحت لأن المـكان لايدخـله عساكر من الإنجليز ..

ولما أعطتنى وجهها .. عدت إلى الكتاب .. وفجـأة برق أمـام نظرى شىء من الذهب .. وسمعت صوتا خشنا يقول بالإنجليزية :
ـ تشترى هذه .. ؟

ورفعت وجهى عن اليد التى كانت ممسكة بالساعة إلى صاحبها .. فرأيت عملاقا ضخما من عساكر الإنجليز ، ولا أدرى كيف دخل من الباب ، ينحنى علىّ وهو مخمور وحسبنى لم أسمعه فى المرة الأولى فعاد يقول :
ـ تشترى هذه .. ؟
ـ نو..

قلتها سريعا ودون تفكير فى العواقب .. درت برأسى فى المكان فوجدت جسمه الضخم قد سد علىّ جميع المنافذ .. ووجدت جميع من فى الحانة ينظرون إلينا وكأن على رؤوسهم الطير ..

وكان هو أقرب شىء إلى الممر .. فلم يستطع إنسان أن يتحرك من مكانه .. ونظرت فوجدت بجانبه طبنجة موضوعة فى جراب .. وخنجرا كبيرا مما تراه مع البوليس الحربى ..

ولمحت وهو يعيد الساعة إلى جيبه .. ثلاثة أشرطة على ساعده .. وشيئا فى حجـم القرش كالشـارة . . وقال وهو ينحنى بكليته على المنضدة :
ـ اعطنى .. شلنا ..
ـ ليس معى نقود ..

قلتها بنفس اللهجة السابقة ونفس التوكيد .. وأحسست بعدها بهزة .. ولم تكن منه فهو لم يتحرك من مكانه .. وإنما كانت منى .. ارتجفت .. خرجت منى الكلمة كالقذيفة .. وندمت عليها .. وأسفت على حمـاقتى .. فقد كنت أستطيع أن أصرفه وأخلص حياتى بقروش قليلة وأخلص من كل المتاعب ..

ولكن الإنسـان يرث بعض الطباع فى مثل هذه المواقف ويتصرف وهو واقع تحت تاثيرها .. فأنا لم أقبل التحدى .. ولا الاستكانة .. رفضتهما وإن كنت أعرف اننى سأموت حتما ..

وفكرت وأنا أرفع رأسى فى الشىء الذى سيضربنى به هذا الوحش .. ثم رأيت أنه لن يستعمل شيئا أكثر من أن يرفعنى بين يديه ويلقينى على الأرض .. فأنا لا أتحمل أكثر من هذه الضربة ..

وقـدرت قوته .. وكان يستطيع بسهولة أن يصرع ثورا .. وأن يطوق بذراعيه جميع الموجودين فى المشرب حتى يكتم انفاسهم .. وتحرك إلى الخلف قليلا .. ثم تقدم وكانت عيناه فى لون الدم ..

وفى تلك اللحظـة لا أدرى لم نظرت إلى الفتـاة التى كانت تأكل فرأيتها تشعل سيجارة .. وتنظر إلينا فى ابتسام .

وفى غفلة من الرجل وهو منشغل بى .. تسلل معظم الذين كانوا فى داخل البار .. وبقيت وحـدى أواجـه العاصفة .. وعندما يدرك الإنسان اليأس ويعرف أنه ميت يتصلب جسمه ويفقد الإحساس بما حوله .

وهذا ما حدث لى .. وأنا أراه يضع يده على الخنجر .. وانتظرت الضربة .. فاغلقت عينى .. ولما فتحتهما وجدت وجها أعرفه يقف بين رأسينا ..

وقالت الفتاة .. وهى تربت على ذراعيه .. وتنظر إليه فى رقة :
ـ تعال .. يا جونى .. سأعطيك كل شىء ..
وكأنما صبت عليه ماء باردا .. فتركنى وتحول إليها ..

ووقفت معه على المنصة تضاحكه .. ثم مشت به إلى حافة الدرج .. ودفعته وهو ينـزل الدرجات بكل قوتها فانزلق وهوى بكل جسمه على البلاط .

وفى تلك اللحظه رأيت فى يد حسن قطعة من الحديد ، ضرب بها "كوبس " النور .. فغرقنا فى الظلام .

***

وفى اليوم التالى وجدت حانة منيرفا .. مغلقه .. والدكاكين التى بجوارها محطمة ولم أسمع لمن كان فيها خـبرا .

وحزنت على حسن .. وعلى الفتاة فقد كانت الشعلة التى أضاءت ظلمـات حياتى .. وظلت الجذوة المشتعلة فى قلبى .. لم تنطفىء نارها ابدا .. وكنت أراها بوجهها الجميل وهى جالسة هنـاك فى وداعة .. ومن عينيها يطل الحنان والابتسام ..

***

ومرت سنوات .. والجذوة لم تتحول إلى رماد ..
وذات ليلة كنت أزور صديقا لى فى شبرا .. لأول مرة .. ولم أعرف موقع الشارع فوقفت حائرا قبل الدوران .. ثم رأيت نورا فى دكان سجاير صغير فتقدمت إليه .. ولما اقتربت من الدكان .. رأيت رجلا داخله .. وخيل إلىّ أنى أعرفه .. ولما دققت فيه النظر .. صدقت فراسـتى وتأكـدت أنه حسن "سـاقى" منـيرفا وسألته عن شـارع الشبراوى ..
فنظر إلىّ ولم يعرفنى .. ثم خرج من الدكان إلى الرصيف فرأيته يمشى على عكاز .

ونقر على نافذة أرضية .. ثم سأل :
ـ امينة .. فيه شارع هنا اسمه الشبراوى .. ؟
وفتحت النافذة وأطل وجه ..
ـ ايوه .. تانى شارع بعد دكان عبداللطيف .. على طول .

ومدت صاحبة الصوت رأسها .. فرأتنى .

وعرفت أمينة فى الحال .. فإن شيئا لم يتغـير من وجهها .. احتفظ وجهها بجماله الآسر وكل ما فيه من فتنة .. وظل صوتها كما سمعته فى تلك الليلة .

ونظرت إلى طويلا ولما عرفتـنى .. ابتسمت ثم غابت الابتسـامة .. طواها أسى أخرس .

فقد رأت الأهوال فى رأسى مشتعلة .. وارتجفت كما ترتجف أنثى .. وهى ترى الشباب يذهب من وجه الرجل .. الذى تعرضت للموت من أجله ، وما هو أشنع من الموت ..

وبقيت أمامها لحظات صامتا أخرس .. ورأيت الدموع تتحرك فى عينيها .. ثم سمعت بكاء طفل فى الداخل .. فتركت النافذة ودخلت .

وكنت وأنا اخطو فى الشارع الطويل الخافت الضوء أود أن أسأل الرجل .. هل فقد ساقه فى تلك الليلة المشئومة .. أم بسبب الغارات .. واسأله عن أمينة وأعرفه بنفسى . ولكنى وجدت السؤال يشوه جمال المسألة ..

وكنت قبل كل شىء أود أن تظل الشعلة التى اشعلتها هذه المرأة كما هى .. مشتعلة ..
=================================
نشرت بمجلة الرسالة الجديدة 1/9/1957 وأعيد نشرها بمجموعة محمود البدوى " الأعرج فى الميناء" 1958
=================================

المراجع من قصص محمود البدوى عن الحرب العالمية الثانية

المراجع من قصص محمود البدوى عن الحرب العالمية الثانية:

1- ساعـات الهول ... نشـرت بمجمــوعة الذئاب الجائعـــة 1944

2- جسـد وفنــان ...نشـرت بصحيــفة السـوادى1621948 وأعيد نشرها بمجموعة العربة الأخيرة

3- البـواب الأعرج ... نشـرت بمجمــوعة العـربة الأخــيرة 1948

4- ليلة لن انسـاها ... نشـرت بمجمــوعة العـربة الأخــيرة 1948

5- بيت الأشجـان ... نشـرت بصحيــفة الزمــان 3051950 وأعيد نشرها بمجموعة حدث ذات ليلة

6- ذكــريـات ... نشـرت بصحيــفة الزمــان 24101950

7- حيـاة رجـل ... نشـرت بصحيـفة الزمـان 27و28121950 وأعيد نشرها بمجموعة الذئاب الجائعة

8- الرجـل الشريف ... نشـرت بمجـــلة الجيـــل 2411955 وأعيد نشرها بمجموعة عذراء ووحش

9- الزلــة الأولى ... نشـرت بمجـــلة الجيـــل 1421955
وأعيد نشرها بمجموعة الزلة الاولى

10- تحت النيران ... نشـرت بصحيــفة الشــعب 15111956

11- صراع مع الشر ... نشـرت بمجمــوعة العـذراء والليــل 1956

12- العذراء والليـل ... نشـرت بمجمـوعة العـذراء والليــل 1956

13- الخنــــزير ... نشـرت بمجمـوعة العـذراء والليــل 1956

14- الورقــــة ... نشـرت بصحيــفة الشــعب 1951957
وأعيد نشرها بمجموعة الزلة الأولى

15- الشـــعلة ... نشرت بمجـلة الرسـالة الجــديدة 191957
وأعيد نشرها بمجموعة الأعرج فى الميناء

16- الوشـــم ... نشـرت بمجـــلة الجيـــل 2331959
وأعيد نشـرها بمجموعة حارس البستان

17- الطـــــوق ... نشـرت بصحيــفة المسـاء 2021960
وأعيد نشرها بمجموعة ليلة فى الطريق

18- امرأة فى الجانب الآخر ... نشرت بمجلة روز اليوسف مــايو 1960
وأعيد نشرها بمجموعة غرفة على السطح

19- الشــيطان ... نشـرت بمجــلة الثــقافة اكتـــوبر 1962
وأعيد نشرها بمجموعة عذراء ووحش

20- الأصــلع …نشـرت بمجــلة الهـــلال اكتـــوبر 1970
وأعيد نشرها بمجموعة " قصص من الإسكندرية " من تقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ الناشر مكتبة مصر 2002

21- الـبـرج ... نشـرت بمجمــوعة السفيــنة الذهبيــة 1971

22- المهــاجر ... نشـرت بصـحيـــفة مــايو 2071981
وأعيد نشرها بمجموعة السكاكين

الفصل الثالث : حرب فلسطين سنة 1948

أفرغ محمود البدوى كـل أحاسيسـه ومشـاعره ، وماعـايشـه فى تلك المرحـلة التى مرت بها البلاد ..


ففى هذه القصة ، يبين البدوى الظواهر الخارجية التى أثرت فى نفسه ، اثناء عودته من فلسطين فى القطار، خلال شهر يوليو ، بعد اصابته فى الحرب مع اليهود ، وهو يتصور بشـاعة الحـرب ، وبشاعـة آلات الـدمار ، وبشاعة اليهود واضرابهم ، وبشاعة القتـل والتعذيب ، وبشاعة الاستعمار الغربى فى كل صوره ، وركز فيها على المآسى التى تخلفها الحروب ومصير أسرة فقـدت عائلهـا فى الحـرب ، والإحساس بالقـلق والخوف على مصيرها ، وقد تذهب ضحية لظروف فوق طاقتها وفوق احتمالها ، وتغير مجرى حياتها ، وتؤدى بها إلى السقوط .

الدراسة :

قدم لنا محمود البدوى فى هذه القصة ، أحداث وأشياء أصبحت فى ذاكرة التاريخ ولكنها ستظل خالدة فى قصصه . وستظل سجلا حافلا لحركة المجتمع فى فترة تاريخية معينة . فمنذ بداية القصة .. يقول :
"جلست فى القطار السريع العائد من فلسطين ، مرسلا البصر عبر النافذة إلى الصحراء والتلال والكثبان الرملية التى لايحدها النظر .. وكنت قد خرجت لتوى من المستشفى العسكرى بعد إصابة بالغة فى جبهة القتال .. ومنحت إجازة طويلة أسترد خلالها عافيتى."

حينما يصاب الانسان بالألم والمرارة ويدركه اليأس ، يصاب بالكآبة ويجلس صامتا فى ذهول ، غافلا عن كل ما حوله ..

ويقول :
وجلست منفردا منـزويا فى ركن من العربة ، بعيدا عمن حولى من الركاب دائرا حول نفسى كالقوقعة ..

ثم يوضح الراوى الأهوال والمآسى التى صادفت الجنود فى ميدان القتال ، والأثر الذى تركته فى النفوس ، ويهدف إلى نقد أسلوب الحكام ومن بيدهم الأمر والذين يستهينون بأرواح الجنـود ولم يتخـذوا العـدة لمواجهة العدو ، مما أصاب النفوس اليأس .. فيقول:

" وكنت أحمل رسالة عزيزة وضعتها فى جيب سترتى ، رسالة من صديقى الضابط الشهيد محى الدين .. الذى كان يحارب معى فى نفس الجبهة .. وكان قد كتبها لوالدته قبل أن يخـوض المعركة .. يستودعها ابنه الصغير وزوجته التى لم تستمتع بعد بالحياة .. وكان يتوقع الموت .. فقد كنا نحارب عدوا جلب أحدث الأسلحـة وأشـدها فتكا بذخيرة فاسدة .. ومع ذلك كنا نقاتل قتال الأبطال ."

ويبين تأثير الصحراء على النفس وانطلاقها من عقالها للتأمل فى الكون والحياة .. فيقول :

" وكانت صورة المعارك الدامية قد طافت بذهنى وأنا أنظر عبر السهول الفسيحة الممتدة إلى ما لا نهاية .. والقطار ينهب الأرض نهبا.."

ويتطرق الراوى إلى أن الناس يتصارعون على أتفه الأشياء فى الحياة ، وكأنه يريد أن يقول إن الحياة ما كانت قاسية مطلقـا لو أخذناها كـما تجىء ، لو ألقينا أنفسنا فى غمارها كما هى .. ويقول :

" وكنا فى يوليو والجو خانقا .. والركاب المدنيون الجالسون معى فى نفس الديوان .. يلعنون مصلحة السكك الحديدية لأنها رفعت المراوح الكهربائية التى فى القطار .. ويسبون كل شىء .. وكنت أسخر من هذه الرفاهية .. فلم أكن أحس بشىء ذا بال .. فقد تعودنا على الخشونة بكل ضروبها .. فلم يكن يرهقنى أن لا أجد مروحة فى عربة .. وكنت أسخر من هؤلاء الركاب .. وأغتاظ من تفاهة تفكيرهم .."

وينقد الراوى الواقع والمجتمع ، لما لمسه مـن مشاهد وأحداث ، كشفت عن سلوك وأخلاقيات بعض الناس ، أوجدها الاحتلال وتشربت بها النفوس المريضة .. فيقول:
" وزادنى غيظا أن بعضهم لم يكن يحس بشىء مما نحن فيه من هول .. لم يكن يدرى أن هناك حربا فى فلسطين دائرة على أشدها .. وعندما خرجت من نطاق المحطة وهبطت إلى المدينة .. مدينة القاهرة فى الليل .. رأيت الأنوار والأضواء .. والملاهى والمواخير .. والمراقص الدائرة ، وازداد حنقى فقد كنا نقاتل فى جبهتين منفصلتين بكليتنا عن الوطن الذى ندافع عنه." وعندما ذهب الى بيت صاحبه وجلس فى الصالون .. يقول "وسمعت وأنا جالس صوت الراديو يردد بعض الأغانى الشائعة .. ما هذا .. أيجهلون كل شىء ؟!"

ويقول بعد أن دخلت علي السيدة والدة محى الدين بردائها الأسـمر السـابغ وظـهر على وجهها البشر ، وأخذت ترحب به مسرورة :

" لم أقل شيئا .. واستمرت هى ترحب بى مسرورة .. وأدركت بعد دقيقة واحدة من مجلسى معها أنها تجهل أن ولدها مات .. وكانت متلهفة على سماع أخباره .. وأسقط فى يدى ..كيف أحدثها بخبره .. ولو حدثتها وهى فى غمرة نشوتها لقتلتها من هول الصدمة .. فكتمت الخبر .. وأخذت أروى لها مختلف الأحاديث عنه ."

وهنا يبين الراوى أن أقل ما تحتاجه الأسرة التى غاب عنـها عائلهـا ، من زائريها ، تهـلل السريرة وانشراح الصـدر ، وعلى الإنسـان أن يعيش ليعطى السـعادة للآخرين .. فيقول :

" وذاب قلبى حسرات .. وتذكرت كل ما كنت أحمله فى جيوبى من هدايا لأسرتى .. وأخرجتها وقدمتها لوالدة محى الدين على أنها مرسلة من ابنها .. لها ولزوجته ..

وجرت بالهدايا إلى الزوجة فى الداخـل ، وهى تصيـح ، بصوت طروب : "شوفى يا اعتـدال .. إيه اللى باعتولك جوزك .."

وسمعت صوتا رقيقا ناعما يقول من فرجة الباب : "مرسى .. مرسى خالص .."

وأخذت أنظر إلى هؤلاء الناس المتلهفين على أخباره ، والمتوقعين قدومه فى كل لحظة ، الذين يتصورون كل شىء إلا أنه مات وراقد هناك تحت الثرى .."

وفى هـذا المشهد الذى يرويه لنا ، نحس أن بصيرته التقطت صورة واضحة لما حوله بكل تفاصيلها ،كأنها عدسة قوية ، وطبعها وأبرزها أمامنا ، وكأنه يريد أن يقول إن هذه الأسرة تناديه ، بألا يتأخر عنها ، فهو العوض والبديل عن الغائب ، إلى أن يعود ، لأنهم فى حاجة إليه .. فيقول:
" وعندمـا ودعت الوالدة .. وحملت ابن محى الدين وقبلته وهبطت
سلم البيت .. وخرجت إلى الشـارع .. كن واقفـات فى الشـرفة لوداعى ."

وهنـا تعجـب لإنسـان طغـت على نفسه روح إنسانية ، رفعته عن الشهوات الشخصية والأنانية ، فى دنيا كلها شياطين .. فالوطن فى حاجة إلى مثل هؤلاء .. فيقول :

" ولم تبرح صورة محى الدين وصورة أسرته ذهنى بعد ذلك أبدا .. كانت تشغل تفكيرى كله .. وقررت أن أفعل شيئا سريعا حاسما لأريح أعصابى .. قررت أن أعود إلى جبهة القتال لأنتقم له ..

وعدت إلى فلسطين .. واشتركت فى المعركة الكبرى .. وقتلت كثيرا من اليهود .. وشعرت بنشوة النصر ولذة الانتقام .. وفى حمى المعركة أصبت بشظية فغبت عن الوجود وحملت وأنا فى الغيبوبة إلى المستشفى .."

وتلعب الصدفة دورا هاما فى حياة الإنسان ، وهى ليست صدفة كالصدف التى تحدث فى الحياة اليومية ، هى صدفة فوق مستوى العقل البشرى ، وهى كالقـدر نوع من النبع الإلهى ، رسمت لهما الطريق وجمعت بينهما برباط خفى .. ويقول :
" وعندما فتحت عينى وعـدت إلى رشـدى ، وجدت نفسى فى مستشفى الحلمية العسكرى .. وبجوارى تقف سيدة شابة فى لباس الممرضات .. وكان وجهها كالبدر ، ونظرت اليها طويلا وعرفتها .. كانت زوجة محيى الدين .."

وفى نهاية القصة يقول الراوى :
" اننى أعيش الآن فى منـزل محيى الدين .. مع والدته الكريمة ، وابنه الصغير ، وزوجته التى أصبحت زوجتى ، وعزيزة على منذ تلك اللحظة الخالدة فى تاريخ الإنسان ، وأشعر أنهم لم يفقدوا شيئا .. كما أشعر أننى أديت الرسالة التى حملتها معى من الميدان ."

هذه القصة محاولة من الأديب لكى نفطن إلى ماتؤدى اليه الحروب من ترمـل للنساء وتيتم للأطفال وتصيب الجميع بالخراب والدمار والفساد والتمزق ، وحزن على شباب ذهب وذبل فى عمر الزهور ، وعلى سيدة ترملت وهى فى أول عهدها بالحياة ، وعلى آمالها التى ذوت ، وعـلى حزنها فى هـذه السن .

وعلى الإنسان ألا يعبأ بمصيره الفردى فى سبيل الحفاظ على أسرة ذهب عائلها للدفاع عن وطنه وترابه وأرضه ، لرد الدين الذى طوق به أعناقنا وعلينا أن نحافظ عليها ونرعاها ، وأن نحميها من شر الإنسان ، ليظل سقف البيت مرفوعا.

====================================

رسالة من الميدان

رسالة من الميدان

قصة محمود البدوى


فلسـطين

" كنا نحارب عدوا جلب أحدث الأسلحة وأشدها فتكا
بذخيرة فاسدة .. ومع ذلك كنا نقاتل قتـــال الأبطال"


جلست فى القطار السريع العائد من فلسطين ، مرسلا البصر عبر النافذة إلى الصحراء والتلال والكثبان الرملية التى لايحدها النظر ..

وكنت قد خرجت لتوى من المستشفى العسكرى بعد إصابة بالغة فى جبهة القتال .. ومنحـت إجازة طويلة أسترد خلالها عافيتى ..

وجلست منفردا منـزويا فى ركن من العربة ، بعيدا عمن حولى من الركاب دائرا حول نفسى كالقوقعة ..

وكنت أحمل رسالة عزيزة وضعتها فى جيب سترتى ، رسالة من صديقى الضابط الشهيد محى الدين .. الذى كان يحارب معى فى نفس الجبهة .. وكان قد كتبها لوالدته قبل أن يخـوض المعركة .. يستودعها ابنه الصغير وزوجته التى لم تستمتع بعد بالحياة .. وكان يتوقع الموت .. فقد كنا نحارب عدوا جلب أحدث الأسلحـة وأشـدها فتكا بذخيرة فاسدة .. ومع ذلك كنا نقاتل قتال الأبطال .

وكانت صورة المعارك الدامية قد طافت بذهنى وأنا أنظر عبر السهول الفسيحة الممتدة إلى ما لا نهاية .. والقطار ينهب الأرض نهبا.. وكنا فى يوليو والجو خانقا .. والركاب المدنيون الجالسون معى فى نفس الديوان .. يلعنون مصلحة السكك الحديدية لأنها رفعت المراوح الكهربائية التى فى القطار .. ويسبون كل شىء .. وكنت أسخر من هذه الرفاهية .. فلم أكن أحس بشىء ذا بال .. فقد تعودنا على الخشونة بكل ضروبها .. فلم يكن يرهقنى أن لا أجد مروحة فى عربة .. وكنت أسخر من هؤلاء الركاب .. وأغتاظ من تفاهة تفكيرهم .. وزادنى غيظا أن بعضهم لم يكن يحس بشىء مما نحن فيه من هول .. لم يكن يدرى أن هناك حربا فى فلسطين دائرة على أشدها ..

وعندما خرجت من نطاق المحطة وهبطت إلى المدينة .. مدينة القاهرة فى الليل .. رأيت الأنوار والأضواء .. والملاهى والمواخير .. والمراقص الدائرة ، وازداد حنقى فقد كنا نقاتل فى جبهتين منفصلتين بكليتنا عن الوطن الذى ندافع عنه.

***

ونمت فى بيتى إلى الصباح .. وكنت أحمل فى حقيبتى ساعة محيى الدين الذهبية ومحفظته .. وحجابا صغيرا صنعته له أمه قبل سفره إلى الجبهة .. وقلما من الأبنوس ومفكرته الصغيرة .. وهى كل الأشياء العزيزة التى تخصه .. والتى أفرغتها من جيوبه قبل أن يحمله الجنود على نقالة إلى المستشفى الميدانى .. فأخرجت هذه الأشياء ووضعتها فى حقيبـة صغيرة واتجهت إلى بيت صاحبى فى ضاحية القبة .

وصـعدت سلالم المنزل الصغير الأنيق وقلبى يعصره الألم ..

وجلست فى غرفة الصالون وحيدا .. بعد أن فتحت لى الخادم الباب .. وسمعت وأنا جالس صوت الراديو يردد بعض الأغانى الشائعة .. ما هذا .. أيجهلون كل شىء ؟! ..

ودخلت علىّ السيدة والدة محيى الدين بردائها الأسمر السابغ ، وكانت تعرفنى .. فلما رأتنى ظهر على وجهها البشر
وقالت :
ـ انت يا بنى .. وازى محيى ..؟

ولم أقل شيئا .. واستمرت هى ترحب بى مسرورة .. وأدركت بعد دقيقة واحدة من مجلسى معها أنها تجهل أن ولدها مات .. وكانت متلهفة على سماع أخباره .. وأسقط فى يدى .. كيف أحدثها بخبره .. ولو حدثتها وهى فى غمرة نشوتها لقتلتها من هول الصدمة .. فكتمت الخبر .. وأخذت أروى لها مختلف الأحاديث عنه . .

وسألتنى :
ـ ومتى سيأتى ..؟
قلت :
ـ بعد شهرين ..

وذاب قلبى حسرات .. وتذكرت كل ما كنت أحمله فى جيوبى من هدايا لأسرتى .. وأخرجتها وقدمتها لوالدة محى الدين على أنها مرسلة من ابنها .. لها ولزوجته ..

وجرت بالهدايا إلى الزوجة فى الداخـل ، وهى تصيـح ، بصوت طروب :
ـ شوفى يا اعتـدال .. إيه اللى باعتولك جوزك ..

وسمعت صوتا رقيقا ناعما يقول من فرجة الباب :
ـ مرسى .. مرسى خالص ..

وأخذت أنظر إلى هؤلاء الناس المتلهفين على أخباره ، والمتوقعين قدومه فى كل لحظة ، الذين يتصورون كل شىء إلا أنه مات وراقد هناك تحت الثرى ..
ومرت فى خيالى صور .. وذكريات ..

وعندمـا ودعت الوالدة .. وحملت ابن محى الدين وقبلته وهبطت سلم البيت .. وخرجت إلى الشـارع .. كن واقفـات فى الشـرفة لوداعى ..

***

ولم تبرح صورة محى الدين وصورة أسرته ذهنى بعد ذلك أبدا .. كانت تشغل تفكيرى كله .. وقررت أن أفعل شيئا سريعا حاسما لأريح أعصابى .. قررت أن أعود إلى جبهة القتال لأنتقم له ..

وعدت إلى فلسطين .. واشتركت فى المعركة الكبرى .. وقتلت كثيرا من اليهود .. وشعرت بنشوة النصر ولذة الانتقام .. وفى حمى المعركة أصبت بشظية فغبت عن الوجود وحملت وأنا فى الغيبوبة إلى المستشفى ..

***

وعندما فتحت عينى وعـدت إلى رشـدى ، وجدت نفسى فى مستشفى الحلمية العسكرى .. وبجوارى تقف سيدة شابة فى لباس الممرضات .. وكان وجهها كالبدر ، ونظرت اليها طويلا وعرفتها .. كانت زوجة محيى الدين ..

***

اننى أعيش الآن فى منـزل محيى الدين .. مع والدته الكريمة ، وابنه الصغير ، وزوجته التى أصبحت زوجتى ، وعزيزة على منذ تلك اللحظة الخالدة فى تاريخ الإنسان ، وأشعر أنهم لم يفقدوا شيئا .. كما أشعر أننى أديت الرسالة التى حملتها معى من الميدان .
=================================
نشرت القصة بمجموعة " العذراء والليل " لمحمود البدوى المنشورة فى عام 1956
=================================